Loading...

الأحد، 15 يوليو 2018

[ الرافِه في شرح أحاديث التوافه ]


    أعجب كثيرًا حين يضع الناس (هامشًا) لحديث الفنانين والمشاهير، تمامًا كتهميش طلبة العلوم لمتون علومهم، يصرح التافهون ضد بعضهم ويهمز بعضهم بعضًا، ثم ترى بعض الشباب والشابات وربما بعض الكهول يتنقلون من تطبيق لتطبيق لمعرفة هوامش الشجار وشروحات اللمز.. لأيام وشهور. 

    (هو بدأ حين لمّح لكذا في كواليس مسرحيتهم، أتابعتم شجارهم في البرنامج؟ لها حق في أن تشتكي عليه وترفع قضية تشهير.. إذا ركزت على وجهه تجده تغير في الدقيقة كذا.. بينهم عقد ملزم.. إلخ). 

    وبعض الشجارات استمر الجدل حولها لسنوات، وخلقت خلالها وجوه، ورحلت وجوه، وهرمت وجوه. 

    قبل سنوات قرأت تغريدات يشرح فيها كاتبها قصّة خلافٍ ما.. بين المطربين فريد الأطرش وعبدالحليم حافظ، والقصة أن عبدالحليم حافظ، الشاب الصاعد، أحدث إشكالًا لدى جماهير الأطرش، ثم وضع كاتب التغريدة فيديو يبدو أنه للقاء صلح بينهما، وأوصانا كاتب التغريدة أن نتأمل ونركز على ملامح التوتر بينهما ولغة العيون.. حتى أثناء الصلح؛ لأن القلوب لم تتطهر تمامًا. 

    (وترى كان جمهور الأول يتعمد حضور حفل الثاني وتخريبه.. إلخ) وقضية طويلة عريضة مات مطربوها وجمهور وقتهم.. وبقي الجدل الفارغ. 

    هذا الوقت كالحلم، فإذا ملأته بما ينفعك لم يعد لهذا التشبيه معنى؛ لأنك ألغيت معناه بانتفاع حقيقي في دينك ودنياك، فلم يعد حلما بعد اليوم بل إنجاز متحقق ترى أثره في حاضرك. 

    في الوقت الذي كانت تتشاجر فيه أجيالٌ في المنتديات حول من يستحق لقب فنان العرب، صرف آخرون وقتهم فيما ينفعهم، وهم اليوم قياديون (نراهم رأي العين، ونعرف بداياتهم، ونذكر انشغالهم بعيدًا عن ضجيج التوافه، ونستحضر تجاربهم البسيطة، بأخطائها وصوابها) في المجالات التي بذلوا لها، من مفكرين، وأدباء، وسياسيين، وتقنيين، وتجار.. إلخ، وكان وقتهم في الانترنت أساس انطلاق للنجاح والنفع العام، أو للرضى عن النفس على الأقل مع شرف المحاولة.. وإن لم يكتمل النجاح أو لم يتم. 

    ولك أن تبحث تحت عناوين الفنون المختلفة والعلوم المتفرقة عما بقي من منتديات، لترى أرشيف الانتفاع والتلمذة والتعلم والأسئلة باقٍ وشاهدٍ على الأوقات الذهبية التي بذلها أذكياء الجيل فيما يرفعهم ويعلي شأنهم، ثم لك أن تفتش في أطلال ما تبقى من منتديات التوافه وإحراق الوقت في الـ (whatever) كما يعبر الضَّجِر منهم؛ لتبصر الأرشيف شاهدًا على ثقوب سوداء ابتلعت أوقاتًا هي أثمن من كل كنوز الدنيا، ولفظتهم إلى العدم، قد تورطوا بأوقاتهم بعدما ملّوا تلك الألعاب فضاعوا في هامش الفراغ. 

    أتعمد أن أسأل طلابي في المرحلة الثانوية بداية كل سنة السؤال التالي: ماذا حملت معك من المرحلة الابتدائية والمتوسطة، غير التجارب والمعلومات الأساسية التي يشترك فيها كل البشر؟ 

    وأفرح كثيرًا إذا وجدت من يجيب: حملت معي كذا جزء من القرآن، وحملت معي اللغة الإنجليزية، وتمكنت من برنامج الفوتوشوب، وقرأت روايات نوبل، ونفعت في الجانب الفلاني.. إلخ. 

    أفرح لأن هذه الإجابات تنبّه بقيّة زملائهم على عظيم ما فاتهم من تلك المراحل، فقد ولّت بحلوها ومرها، وبقي لزملائهم ما ينفعهم بحق، فمن تعلم الإنجليزية فتح لنفسه عالمًا واسعًا للغاية، ومن حفظ القرآن ارتقى دنيا ودين، ومن أتقن التصميم فتح باب رزقٍ ومتعة لنفسه، ومن أنهى كتبًا معينة علمت أنه أذهب عن نفسه وسواس (هيبة) القراءة و(صعوبتها) الذي منع البشر من خيرها ومتعتها.. إلخ، ومن احتسب الأوقات التي صرفها على هذه الأمور كلها، حتى المباح النافع الدنيوي منها، فهذا شأن آخر من الأجر العظيم والخير العميم. 

    وحديثي هنا عمّن يصرف ذروة وقته أو غالبه في هذا العدم، أما من حفظ وقته وأوقف بعضه أو غالبه على ما ينفعه، ثم صرف ما تبقى على المناسب من الملهيات، أو حتى التافه المباح منها، فغير داخل بمن أعنيهم. 

    وقد قبضنا ثمن التجربة في الحالين، فذقنا حلاوة الأيام التي انتفعنا منها بالكد والسهر، وتكمن حلاوتها فيما حملناه من آثارها علينا إلى اليوم، من علمٍ أو عادة طيبة اكتسبناها بمجاهدة تلك الفترة.. وغير ذلك، وأحسسنا بمرارة أيامٍ ركنّا فيها إلى الخمول والتوافه فصُرفت ثوانيها إلى العدم، وتكمن مرارتها في أنه لم يبق منها إلا إدراك العقل بحتمية مرورنا بها دون انتفاع أو -على الأقل- تذكرٍ لمواقف ذلك العام أو تلك المرحلة. 

    وقد صادفت مرات في مواقع التواصل بعض محرري صفحات الفن في التسعينات وبرامجها، أيام ما كان سوق المجلات والصحف والبرامج الفنية رائجًا في ذلك العقد، فوجدتهم قد صاروا كهولًا ومسنين، وذهبت حدّة تلك الأيام وأخبارها، وتحولت لـ (هواجيس) تخرج منهم كإفرازات لا يملكون منعها، ولا زالوا يحللون ملامح الفنانين، ونبرات أصواتهم، وبدايات الخلاف (الحقيقية) بينهم، ويفتخرون بعلمهم عن كواليس ما يجري كما يفتخر المحلل السياسي بمعلومة من داخل مطبخ السياسة في بلده. 

    وليس الخبر كالمعاينة، فدعك من أخبارهم، ولا تعاين خصوماتهم، واستبدل الذي هو خيرٌ من حيازة واكتسابٍ بالذي هو أدنى من أقوال التافهين وأفعالهم، ولا تهبط إلى ما هبطوا إليه.. ولا تبلغ أمصارهم، فهي نائية عن حدود الأخلاق والنفع، وإلا سيضرب على مستقبلك ذلة الجهل، وعلى كهولتك مسكنة التفاهة.

.

هناك تعليقان (2):

  1. مقالة رائعة وفي الصميم

    بٌوركت

    ردحذف
  2. حياك الله لازورد
    تسلم.. وشكرًا لك.

    ردحذف

إن أصبت فمن الله -عز وجل-، وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان.
تزدان مواضيعي بردودكم وتفاعلاتكم.. فهي دافع للبذل والعطاء والاستمرار.

مُدَوّنَة كِتَاف © 2008 - 2018 | 1429 - 1439 | جميع الحقوق محفوظة