Loading...

الأحد، 12 أبريل 2015

[ سُلطة السكران، وقُطّاع العمران ! ]


لعل هذه المرّة الرابعة أو الثالثة التي أعيد فيها متابعة محاضرة الأستاذ إبراهيم السكران، والتي يتحدث فيها عن تأثير بعض السُلطات في حياة الإنسان على تبنيه للأفكار، كخضوعه لسُلطة القديم (فيتبنى أمرًا لكونه قديم فقط!)، وسُلطة الجديد، وسُلطة الكثرة أو القلّة (فيدع أو يتبنى فكرة لقلّة من يأخذ به أو يدعه)، مع التفصيل في الفكرة الأساسية للمحاضرة وهي (سلطة طرح الأسئلة)، والتي تتجاوز سلطتها مجرد تبنيها، فهي كالقنبلة التي يلقيها أحدهم فتؤثر في المكان التي انفجرت فيه، ومن لم يتأثّر بمنطقة الصفر فيها تأثر بشظاياها ومسّه لهيبها، ومن بَعُد عن شظاياها هاله اهتزازها، ومن ابتعد عن موجات الاهتزاز امتلأت عينه بوهج نارها، ومن لم تكن في حدود إبصاره فجع من صوتها، ومن بَعُد عن ذلك كله.. وصلته أخبارها وإشاعاتها ومبالغاتها، حتى يضجّ الناس.

هي باختصار إشكالية أو مفهوم، من لم يتبناها فهو يدور حولها معارضًا أو متأملًا، ويظل أسيرًا لكل طرح يثير مثل هذه الإشكاليات، وكانت بقيّة المحاضرة في ذكر نماذج من التاريخ في أزمنة مختلفة لأسرى أطروحات ومذاهب وإشكاليات حضارات الغرب والشرق!

ويرى الأستاذ إبراهيم أن الحلّ للانفكاك من هذا الأَسْر هو التخلص من هذه السلطات، بإنتاج خطاب خاص بنا يجسد أفكارنا ومضاميننا وإشكالاتنا وأسئلتنا تجعل الغير يدور حولها.

تذكرت هذه المحاضرة القيمة وأنا أشاهد نصيحةً ذهبية في مقطعٍ للشيخ علي العمران نشره بصفحته الرائعة والمنوعة على برنامج انستقرام قال فيه: (لتحذر من قطاع الطريق، وليس بالضرورة أن يأتيك واحدهم في هيئة قاطع طريق، بل قد يأتيك في هيئة ناصح أو متحمس، فلتحذر منهم وتداريهم).

وأعظم قطعٍ لطريقك أن تلهيك أسئلة الغير (صديق/عائلة/أستاذ) وسُلطة أطروحاتهم ونصائحهم وجاذبيتهم عن مشاريع عمرك، أو عن قراءات وأعمال واهتمامات لك طَرَح الله -عز وجل- فيها البركة، وكانت فرصة يجب أن تتشبث بها، ومن أخطر ما يمكن أن يعترض طريقك ويقطعه أن تَعْد عيناك عن هذه المشارب المباركة (قد علم كل أناس مشربهم) بنصيحةٍ من صادقٍ، وتوجيهٍ من مجرّب، و هَمّ أستاذٍ أو صديقٍ أو مشهورٍ يستحق الإعجاب.. تسلّل إليك هذا الهمّ لمكانة صاحبه منك، فتبتعد عن هذا المشرب المبارك لتجد نفسك ضائعًا في صحراءٍ تتشابه آفاقها، فلا رجعت إلى مشربك، وتهت عن مشاربهم.

كثيرًا ما يتحدث العقلاء عن خطر رفيق السوء، والنفس، والهوى، والشهوة في إعاقتك عن الوصول لوجهتك (وقد صدقوا ونصحوا)، لكن أين الحذر كذلك من نصيحةٍ ليست في مكانها، وتوجيهٍ غير مدرك لعواقب الأمور، و(كيفيات) تُستفهم في العناوين.. لتدلك على الطريق.. يجهل أصحابها قيمة ما تملكه، وماهو بين يديك، فقط لأنك لم تستعرض به إخلاصًا أو حياءً أو لا مبالاة؟

شخصيًا حين كنت منصرفًا للأدب الذي أحبه وأعشقه وتميل نفسي إليه دون ملهيات أو مشتتات، وكنت أتعامل مع الانترنت كوسيلة نشر دون شروط تُفرَض علينا من المواقع؛ أنتجْتُ في سنوات قليلة ما لم أنتج معشاره في السنوات الطويلة التي قضيتها تحت سلطة مواقع التواصل وسطوة أيقوناتها، وتميزت تلك الفترة بأهم صفة في البذل الطيب الذي يشترك فيه كل أصحاب التخصصات والفنون الطيبة: (محبتها.. الاستمتاع بها.. الديمومة)، لكن كل شيءٍ تغيّر بعد هولوكست المنتديات والمدونات.. وبروز مواقع التواصل الاجتماعي بشروطها، رأينا سلطتها تخنق كل أسلوب عرض متميّز.

من سلطة الـ (140) حرف، إلى سلطة (المُتَابَعين) و(الهاشتاق)، إلى سلطة (المجامَلَة) في المتابعة والريتويت والتفاعل، ولا أريد أن أتحدث عن سلطة أسباب (إلغاء المتابعة!)، فضلًا عن سطوة قضايا من تتابعهم وإشغالها لفكرك حتى تتسلل لقراءاتك ومطالعاتك وتفكيرك وحديث وكأن العالم لا يحوي غيرها، وتأمل ماذا صنع الضجيج العام المتوجه للسياسة بك وبما تحسن وتهتم.

خضعنا لشروط تلك المواقع وسلطات روّادها فكان أن انقطعت -شخصيًا- عن الكتابة المقالية الجادة انقطاعًا كليًا تقريبًا، ووجدتني في مواقع التواصل رقمًا تسيطر عليّ أرقام، وقد قمت بجولة قبل فترة في أغلب صفحات من أتابعهم، ورأيتني أسيرًا (كما وصف السكران) لسلطة من أتابع بشكل واضح؛ بل.. وسلطة الألوف الذين يتم متابعتهم ممّن أتابعهم، ووجدت كثيرًا من الصفحات، تشبه كثيرًا من الصفحات الأخرى(!)، مَهما ادّعوا تميزهم، وعلى اختلاف طبقاتهم.

ووجدت المتميز فيهم، والأكثر جهدًا ومداومة وأتباعًا صاحب المشروع الواضح المستمر ولو كان ذلك المشروع تافهًا، ولو كان صاحبه طفلًا أو منحرفًا، لكنه تميزَ بوجود أصل يعمل فيه وله ويداوم عليه، مع عرضه بأسلوب مميز وجذاب.

ووجدت في سيرة كل شخص ناجح أنه وجد فرصةً وبركةً فتشبث بها أشدّ ما يكون ولم يفلتها حتى مات، بل وجدت من يدعو ويطلب من الغير أن يدعو له كي ينهي أجزاءً من مشروعه لم يفلتها، كذلك الشيخٍ الاسترالي الذي عاش بجوار قمّة هضبة مرتفعة يكثر فيها انتحار الشباب، وحين وجد شابًا يومًا وكلمه واستطاع إقناعه بعدم الانتحار، أحس بشعور لا يوصف وكانت تلك الفرصة التي عضّ عليها بالنواجذ، وأخذ على نفسه عهدًا أن يقسم جزءًا من وقته للجلوس في تلك الهضبة، فإن شكّ بنوايا الانتحار من أحد الواقفين عليها تثبّت وتقرّب منه.. حتى أنقذ خلال 40 سنة أكثر من 450 نفس، غير ملتفت لسلطات ألسنة الناس، وسلطة الخوف من غموض من يقابل.

لنرى تطبيق ذلك في الحياة، الصديق أو الأستاذ أو القريب الذي يختلف ما بارك الله له فيه من (إحسان)، عما بارك الله لك فيه من (إحسان) فيجني عليك بحسن عرضه لما يُحسِن، فيزهّدك بأحب أعمالك عند الله -تعالى-، ويجذبك إلى أحب أعماله عند الله -سبحانه-(1)، فتهرول لمجال إحسانه متأثرًا بتسويقه المبهر والناجح والمؤثر، وربما تَغصِب نفسك وتجاهدها بتأثير هيمنة الدعاية المبدعة لهذا التخصص أو الفن فيضيع الوقت وتنصرم أيام عمرك على البدء من جديد ومحاولة الوصول بلا فائدة، بينما لو انصرفت لما كنت تحب وينفع لكان في ذلك خير عظيم، وليس عيبًا أو نقصًا أو تهمة أن يكون التخصص فيما تحب ما دام نافعًا، فهذا الإمام أحمد يقول لمن أثنى على جمعه للسنّة: "أما الإخلاص فلا ندعيه، ولكنه أمرٌ حُبّب إلينا".

وكم من امرئٍ لا يزال يتصفح كتبَ ومقالاتِ الكَيفيّات والتوجيهات لطلب العلم والقراءة والتقييد والحفظ، مهمومٌ بالتجديد في سلطة نصائح الغير المتنوعة والمختلفة وربما المتناقضة ومتصادمة في أحايين قليلة، وهو لم يبدأ للآن طلب العلم، ولم يقرأ، وما قيّد حرفًا، ولم يحفظ، فصار كمن يحتفظ بمجسم الكرة الأرضية يستمتع بمطالعته ويدمن النظر إليه بين الحين والآخر وهو لم يتجاوز قريته.

ولعلي سأخضع لسلطة (شكوى طول المقالات في عصر السرعة وتويتر) وأتوقف هنا، لأن الفكرة -حسب ظني- وصلت!!

______________________________________________
(1) قال صلى الله عليه وسلم: "أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل".

هناك تعليق واحد:

  1. مسيو ابو الهيثم يسعد صباحك،، ولو أني ادري اني اكتب هذا الرد ولن أجد عليه جواب لكن لعل هذا من صميم الموضوع وهو السلطة ، سلطة الرد على كل تعليق وسؤال !!


    بصراحة هذا المقال كان يجب أن يكون أطول وأكثر صراحة ومكاشفة وكان لابد برأيي من سرد بعض التجارب وعدم الإكتفاء بتجربة التدوين ، هذا المقال بفكرته الجميلة في نزع قيود السلطات التي يفرضها الإنسان على نفسه أو تفرض عليه بفعل التراتبية المجتمعية كصغره في السن أو حضوره لمجالس المتخصصين وغيرها .. يشبه في رأيي ما قاله الناس عن ابتسامة الموناليزا التي رسمها دافينشي فأنت إن رأيتها سعيداً أوحت لك بأنها تشاركك السعادة وإن نظرت لها حزيناً رأيت فيها ابتسامة المواساة ، هذا المقال أزعم أن الطيب والخبيث سيوافق على فكرته ، كلهم يرى في تطبيقات التواصل الجديدة مثلاً قيوداً أنهكتهم وأسباباً للتوتر والقلق النفسي والإمتعاض هم كبلوا أنفسهم بها بفضل سلطات بعضها معلوم وأخرى تتلجلج في خفايا النفس .


    بقي أن أشيد بهذه العودة يا جاداي المجرة وأتمنى أن لا تنقطع عن التدوين المتخصص او الفضفضي الذي تجيد لعبته بامتياز


    قال ياخد سينا قال

    ردحذف

إن أصبت فمن الله -عز وجل-، وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان.
تزدان مواضيعي بردودكم وتفاعلاتكم.. فهي دافع للبذل والعطاء والاستمرار.

مُدَوّنَة كِتَاف © 2008 - 2018 | 1429 - 1439 | جميع الحقوق محفوظة