الصفحة الرئيسية | عن المدونة | السيرة الذاتية | RSS | Twitter
Loading...

22‏/02‏/2017

[ كفو ! ]


   كان سماع كلمة (كفو) من أحدٍ ما وهو يوجهها نحو آخر حدثًا نادرًا في صغري، فقد مرت على سمعي مرات قليلة في مجلس جدّي رحمه الله تعالى، غير أنها إذا قيلت لفتت النظر، وكان لها وقعٌ عظيم في النفس، وتنفض رتابة الحديث، ولا تخرج إلا في أجلّ المواقف، وفي مواطن الفخر الصادق، وكان للنطق بها نغمة منصفة ونبرة تلفت الانتباه، فهي بحق حدثٌ نادر يجعلك تتمنى أن تقال لك بهذه العفوية، بيقينِ أنّك تستحقها.

   فهذا (كفو) لأنّه أعان صاحبًا له إعانة الشقيق لشقيقه، والآخر (كفو) لأنّه أدى لوالديه بعض حقهما في مواقف برٍ عظيمة، وذاك قدّم نفسه فداء لغريب في حادثة امتحنت أخلاقه وشجاعته فكان لها (كفو)، ونحو ذلك من مواقف الشجاعة والبرّ والإيثار.

   ثم سرى بي الزمن نحو المرحلة المتوسطة، حيث أخذت أسمعها أحيانًا من الأستاذ سليمان، أحد فضلاء من درّسنا، وكان كذلك يضعها في مكانة عالية ولا ينزل بها أبدًا، فلا يُنال شرفها إلا أن يعلو الطالب نحوها بإجابة صائبة على استفسار دقيق، أو سؤالٍ ينمّ عن انتباه وبديهة، أو موقفٍ طيبٍ يبدر من أحدنا، وكانت الأجواء احتفالية حين يقولها أخيرًا، وذاك حين يجد ما يعجبه فيشرق وجهه ويقول للطالب: كفو.. عدة مرات، أولها واضحٌ والبقية ينحدر بها للانخفاض والهدوء، وهو مطرق مبتسم يتأمل ما أعجبه من الجواب أو الموقف، ثم يلتفت للطالب ويقول: إذا قيل لك (كفو)، فقل: (كفوك الطيب).. هيا قلها، فيقولها الطالب، ثم يضحك الأستاذ مرددًا: أحسنت.. أحسنت.

   ومرّت الأيام، لأنتبه بعدها أنها تقال حين يحمي وطيس اللعب، في أي لعبة كانت من ألعاب الناس، وحتى في هذه كانت نادرة حلوة، فلا تقال في أي تقدمٍ يحصل، وكذا لا تقال في أي وقت من أوقات اللعب، بل يجب أن تجتمع لها ندرة الإبداع مع إلحاح الوقت وشدّة الحاجة إلى هذه الخطوة مع التعسّر واشتداد الأزمة قبيل تحقيقها، فإذا تآزرت كل هذه وتتابعت حتى -بالكاد- أحرز أحدهم ذلك التقدم أخيرًا؛ انفجر الجميع بالـ (كفو) صارخين بها، فيكون لها رنين مبهج غاية البهجة، يزيد اللعب أنسًا، والانتصار لذة.

   لم يُنقص ذلك من قدرها في النفس، وكان لها تلك المكانة زمنًا طويلًا، حتى لاحظت في السنوات الأخيرة أنها بدأت تتكرر أمامي عبر مقاطع تصلني في التطبيقات المختلفة، لمواقف طريفة، أو مشاجرات، أو مقالب، فكنت أنصت لمراهقين وصغارًا يرددونها في هامش المشهد تعليقًا على ما يرون من مواقف.

   كانت تلك ملاحظات عابرة، بدأت تكثر مع اقتراب الزمن من وقتنا هذا حتى رأيت هذه الكلمة تبتذل يوميًا، ورأيتها قد تغيرت عليّ، نبرةً ومكانةً ومواضعًا، فلم يعد لها تلك النبرة النبيلة والعفوية (كَفُو) كما أعرفها وأذكرها، بل أضيفت لها مَدّةٌ غريبة وسريعةً بعد كافها، وأخرى مستفزة بعد واوها فصارت تنطق: [ كافوو ]، وأمسى لها ثقل بغيض في اللسان.. والسمع، ثم صادفتها بعد ذلك -عبر مقاطع فيديو- توجه لسفيهٍ يضرب قطّةً بنعاله ويعذبها، ولاثنين يتشاجران مشاجرة السفهاء، ولا أنس ذلك اليوم الذي قررت أن أشرح لطلاب الأول متوسط الدرس في المكتبة لا الفصل، وحين أخبرتهم، صرخ أحدهم وهو يومئ بيده وكأنّه يلقي نردًا: (كافوو!)، فكانت مستفزة غاية الاستفزاز، جعلتني أستذكر آية تحريم قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأن من ورائي أهلٌ ومسؤوليات، وأنا أطالع حينها هذه الدمية الصغيرة التي خرجت منها هذه الكلمة المشوهة روحًا وجسدا وموقفًا.

   وكان الأمر واضحًا غاية الوضوح، لا شك أن هناك منافذ اختطفت هذه الكلمة، وعرضتها على الأطفال والمراهقين بأسلوب رخيص ومعان مستجدة غير ما كانت تستخدم له، ولم يستغرق البحث مني عبر جوجل دقائق قليلة حتى رأيت مسلسلات وشيلات، ووسوم في (تويتر) تنفخ في هذه الكلمة بعد تشويه مبناها معانٍ جديدة مخزية وتافهة انحطت بها حتى صارت برخص الكلمات النابية.

   فذاك (كافوو) لأنه يكفر نعمة الله ويؤاخي الشياطين بالبذخ والبطر، والآخر (كافوو) لأنه يكفر بنعمة السيارة ويدمرها ويؤذي المسلمين بها بالتفحيط وما يرتبط به من فسوق وضياع أثمن العمر على أرخص الاهتمامات، وهذا (كافوو) لأنه شرّ الناس منزلة عند الله يوم القيامة، وهو -كما أخبرنا صلى الله عليه وسلم- من يهابه الناس ويتجنّبونه اتّقاء فُحشِه، وذلك (كافوو) لبطولاته الزائفة وهياطه على طبيبٍ في عيادة، أو طباخ في بوفية، أو عاملٍ في محطة بنزين، والبعض (كافوو) لأنّه لم يذاكر من الاختبار شيئًا، فكانت موضع فخر لديه، مع أنّه موضع ندم، فصار يكافأ بها البليد الماهر في التهرب عن مسؤوليات الحياة وواجبات المعيشة.

   إنّ ثناء السفيه الأخرق على أمرٍ بدر منك يجعل هذا الأمر (تُهمة) لأخلاقك وتعاملك وقراراتك، فإن قال لك المغرم بالتوافه: (كافوو) يا فلان، فسائل نفسك: (ما الخطأ الذي فعلته كي يثني عليَّ هذا؟!) بدلًا من الانتشاء بمدحه لك؛ لأنّ مدحه لك مسبّة على الحقيقة، وما تظنّه فعلًا إيجابيًا استحقّ مدح هذا وأمثاله، لعلّه زلّة العمر التي ستندم عليها أشدّ الندم، لتكتشف بعد ذهاب سَكرة الشباب ونشوة الغرور، حين تُقْبِل على سنوات الكهولة والمسؤوليات، أنك لم تكن يومًا: (كافوو) ولا (كفو) !

1 آراء:

لازورد يقول...

كافوو 😂 أمزح

هل ترى أن براافو في الإنجليزية مقابلة لكفو بالعربية
وشكرا

إرسال تعليق

إن أصبت فمن الله -عز وجل-، وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان.
تزدان مواضيعي بردودكم وتفاعلاتكم.. فهي دافع للبذل والعطاء والاستمرار.

مُدَوّنَة [ الثائر الأحمر ] - راكان عارف © 2009 - 2015 | 1430 - 1437 | الحقوق محفوظة، وتتاح مع ذكر المصدر | تصميم راكان عارف