الصفحة الرئيسية | عن المدونة | السيرة الذاتية | RSS | Twitter
Loading...

01‏/06‏/2015

[ القراءة: ما بعد الألفة ! ]


من خُدَع الحِمْيات الغذائية الشهيرة لعقلك وبطنك أن تُقدِّم وجبتك الصحية في صحنٍ متوسط بدلًا من الصحن الكبير، ثم حين تعتاد على الأكل من هذا الصحن، ستجد أن مقاومتك للجوع صارت أكبر مقارنة بالسابق، وإحساسك بالشبع بعد الاعتياد على هذا الحجم مشابه لشعورك فيما لو قدمته بصحن كبير، ومع شيء من الصبر والإرادة ستحتاج إلى فترة حتى تنتقل إلى صحن أصغر معتدل، يجعل أكلك معتدلًا وصحيًا، فتَشبع بهذا الحجم الصغير، كما كنت تشبع بما يقدم في الصحن الكبير.

تتوالى المعلومات والصورة والفيديوهات كل ثانية في الصفحات الرئيسية لبرامج ومواقع التواصل الإجتماعية فتنقل لك المعارف والأفكار والأخبار مختصرة على عجل، وقد لاحظت في نفسي أنني حين أفتح صفحات بعض الأدباء أو المفكرين الذين أتابعهم في مواقع التواصل؛ أجد تشبعًا سريعًا من هذا الفن الذي تطرقوا إليه في يومي إذا وافق ذات الفن الذي أقرأ فيه خارج الشبكة (وهو الغالب بالطبع)، فيجعلني أستثقل الجلوس للقراءة فيه، بعكس اليوم الذي لا أدخل فيه هذه المواقع.

وأحيانًا يصرف نظرك عن موضوع تقرأ فيه في فن ما، إلى موضوع أكثر جاذبية تتوفر فيه مؤلفات لديك في ذات الفن أو في تخصص آخر، فتتثاقل عن قراءة ما بين يديك، لأن نفسك تستعجلك إلى ذلك الكتاب أو ذاك، فتحدث فوضى في إرادتك وشتات في همتك وعبث بعقلك.

وأخطر من هذين الأثرين طريقة وصولك للمعلومة أو الفكرة في هذه المرحلة، فمثلًا.. كنتُ مهتمًا يومًا بموضوع (تاريخ العنصرية والاستعمار الغربي في القارتين الأمريكيتين)، وكنت أجمع بين الحين والآخر أسماء الكتب المهتمة بهذا الشأن (وهي الطريقة الروتينية والأمر الاعتيادي لكل شخص لديه أدنى اهتمام بالقراءة والوصول للمعرفة من خلالها)، لعلي أجد فرصة في إحدى العطل لشراء المتوفر منها، وتحميل مالم أجده ثم مطالعتها.

لأكتشف مع الأيام اختفاء هذا الهمّ تدريجيًا دون انتباهٍ مني بعد متابعة عدّة معرّفات (رائعة بلا شك) توفّر جرعات متتابعة (كتابة، وصورة، وفيديوهات) حول هذا الموضوع، ومثل هذا الأمر حصل معي في التفسير مع وفرة طلبة العلم المتخصصين في تقديم جرعات إيمانية إبداعية في تفسير القرآن في تلك المواقع، وجودهم بكثافة وإبداعهم نزع من حديثي لنفسي أي سياق لقراءة أي كتاب آخر في التفسير، وكذلك في السياسة (ولا أعتقد أن هناك مثال أوضح من هذا بالنسبة للجميع)، كثافة الطرح السياسي والتحليلات ووجود الكثير من المتخصصين في مواقع التواصل ألغى فكرة البحث عن عناوين مهمة في هذا التخصص لقراءتها والإطلاع عليها.

وهكذا.. اختصرت هذه المواقع (البحث/الشراء/الجلوس للقراءة/التأمل بما تقرأ/مناقشة المهتمين) حول فن معين.. إلى الوصول إليها عبر أيقونة (المتابعة) للمعرفات المهتمة بهذا الفن، ثم انتظار أن تصادفنا معلومات هذه المعرّفات أحيانًا أثناء طريقنا في استعراض جديد الصفحة الرئيسية.

كانت القراءة ذات مرحلتين بسيطتين: (أولها كلفة، وآخرها ألفة)، إلا أنه قد ظهرت مرحلة جديدة للقراءة بعد وصول الانترنت لحواسيبنا وهواتفنا، والإبداع غير المسبوق في أساليب عرض المعلومة، وإعادة صياغة عصر السرعة، إلى عصر اللحظة، وهي مرحلة (مابعد الألفة!)، هذه المرحلة الغريبة التي نعيشها اليوم بتأثير الانترنت بشكل عام، ومواقع التواصل بشكل خاص، وقد كانت قراءة الكتب في السابق مغرية لأسباب عديدة تجدها في أوصاف عشاقها لها، والمصيبة أن هذه الأوصاف تنطبق تمامًا على مواقع التواصل، مع الفارق في النتيجة لصالح الكتاب بلا شك، وإن كان لسان حال الواقع:

لَـ(محمول) يجالسني نهـــاري *** أحب إليّ من أنس الصديق
و(شاشة حاسبٍ) في البيت عندي *** أحب إليّ من عطر الدقيق

وقيل: (مواقع التواصل) نوافذ تشرف منها النَّفس على عالم الخيال فبيتُ بلا (نت) كمخدعٍ بلا نوافذ.

وقال الشاعر عن اليوتيوب:
نعم المؤانس والجليس (قناة) *** تخلو بها إن خانك الأصحاب

وقال الشاعر:
أعز مكان في الدنا سرج سابح *** وخير جليس في الزمان (سناب)

وقال الجاحظ في وصف تويتر:
"(تويتر) نعم الأنيس ساعة الوحدة، ونعم المعرفة ببلاد الغربة، (تويتر) وعاءٌ مُلئ علماً، وظرف حُشي ظرفاً، إن شئت ضحكت من نوادره، وإن شئت بكيت من مواعظه ، من لك بشيء يجمع الأول والآخر والناقص والوافي، والشاهد والغائب، والرفيع والوضيع، والغث والسمين، والشكل وخلافه، والجنس وضده".

أغلب النصوص التي تحث على القراءة، والصبر عليها، كانت الملهيات في وقت قائليها نادرة جدًا، وليست بتلك المتعة والإغراء كما هي في عصرنا، بل وتتلبس لبوسًا توهمك فيها أنها خيارٌ آخر للوصول للمعرفة والمعلومة، فتنفخك حتى تظن نفسك قد بنيت صرحًا ثقافيًا فيها، فإذا هو من خيال. ولا شك أن (الكلفة) في قراءة الكتب في عصرنا صارت عظيمة، واللبيب العاقل من يستحضر المآلات، بعد أن يستعرض تجربته في السنوات الأخيرة مع مواقع التواصل، ماذا استفاد؟ وكيف أثرت على قراءته؟ وما النتيجة؟ وماذا سيصنع حيال ذلك؟

2 آراء:

عادل الشمري يقول...

مقال أكثر من رائع .. تقبل أعجابي 🌹

ArabTree يقول...

مقال في المستوى... وقلم مبدع كالعادة.

تمت مشاركة المقال في تويتر:
https://twitter.com/ArabTree/status/605843810795450369

إرسال تعليق

إن أصبت فمن الله -عز وجل-، وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان.
تزدان مواضيعي بردودكم وتفاعلاتكم.. فهي دافع للبذل والعطاء والاستمرار.

مُدَوّنَة [ الثائر الأحمر ] - راكان عارف © 2009 - 2015 | 1430 - 1437 | الحقوق محفوظة، وتتاح مع ذكر المصدر | تصميم راكان عارف