الصفحة الرئيسية | عن المدونة | السيرة الذاتية | RSS | Twitter
Loading...

11‏/06‏/2013

[ أرسطو الدرباوي ! ]


مرّ علي مقطع فيديو يبدو أنه لمجموعة من المبتعثين يعبثون بالكلام مع مراهق بريطاني في إحدى الباصات، ولفت نظري إحدى ردود هذا الفتى عليهم.

سألوه: إلى أين أنت ذاهب؟
فأجاب: إلى مكان ما.
ثم هزّ رأسه مكشرًا بلا مبالاة: wherever !

وهي كلمة لو ترجمتها بموقع جوجل لأتت لك هذه المعاني الضائعة: أينما.. حيثما.. في أي مكان.

هناك جريمة اقترفها الإعلام منذ ما يطلق عليه بظاهرة (الهيبيز) التي يقولون أنها انتشرت في الستينات، ولا زال يقوم الإعلام بها إلى هذه الفترة التي قرأت فيها (بقرف وانتم كرامة) مقالًا تافهًا كتبه صاحبه عما أسماها بـ (ظاهرة الدرباوية!).

هذه الجريمة: هي إلباس ضياع الوقت والقذارة والوسوسة والفحش والأرصفة والجهل والجُبْن أمام تكاليف الحياة لبوس (العمق) و(الفلسفة) و(السكينة) و(البحث عن الذات) وعد واغلط من المسميات التي أُلصقت بكل جيل يمرّ (مرور اللئام) على مرحلة الشباب ويملأها تفاهة وسخفًا وفجورًا.

مرحلة الشباب (سلّة) لها مزايا خاصة بها في شرعنا (سبعة يظلهم الله في ظله... وشاب نشأ في طاعة الله)، (لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يُسأل ... عن شبابه فيما أبلاه)، فهي مرحلة (إنماء) ينمي فيها الواحد علاقاته وشخصيته وعلمه بالمجاهدة والبذل، ونعم.. هنالك إنماء جبري يحصل للشاب رغمًا عنه من تغير جسده وخوضه للأيام وتجاربها رغمًا عنه، فيخرج منها بالتجربة وبالقصة، وهذه ليس له فيها فضل ولا تمنحه قيمة علمية أو دينية، وإنما يكتسب الشاب هذه القيم بالبذل في مجالات العلم والعمل في أمور الدين والدنيا، مع الصبر على ذلك والكفاح في طريقه.

وكل الخوف على الشباب يأتي من ضياع الوقت وصرفه فيما لا ينفع ولا يضر، وفيما يضر ولا ينفع، ثم يأتي الإعلام الجاني فيجمع عدّة معاصٍ وسلوكيات ويدمجها مع أمور شكليّة في اللباس أو السيارات والمأكل أو المشرب.. ونحوها، ثم يسميها (ظاهرة) ويطلق عليها من المسميات الكثيرة: ميتال.. درباوية.. شباب الهجولة.. إيمو.. هييبز.. وغيرها من (الموضات) التي كان لها دور واحد في وقت تألّقها، وهو ضياع مرحلة الشباب إلى غير رجعة، والمصيبة في اعتبار هذا الضياع: عمقًا وتيهًا وغموضًا ونحو هذه المصطلحات التي تُظهر أن لهذه العطالة والقرف قيمة ومكانة وهي أخسّ ما يكون في تأثيرها وفي نتائجها.

أخي الشاب.. كلّ عام بل وكلّ يوم تدخل مجموعات من البشر مرحلة الشباب، وتغادر مجموعات هذه المرحلة، فهناك من يدخل سن الخامسة عشرة كل يوم، وهناك من يغادر الثلاثين كل يوم، وما بين الداخل والخارج سلّة فارغة يملؤها الإنسان بمرّ الأيام، حتى يقف عند أعتاب الأربعين ملتفتًا للخلف، فإما أن يرى شابًا وصل إلى هذه النقطة من حياته ومعه حِملٌ ثمين من آلاف الجلسات مع كتاب الله، وآلاف المواقف الطيبة مع والديه، وآلاف الاجتماعات النافعة مع أصدقائه، مع صون للسان، وحفظ للنفس، وحبّ للمعرفة، وتقصير وأخطاء يحاسب نفسه عليها ويؤلمه اقترافه لها فيُذهب سيئتها بحسناتٍ يعوض بها ما فات. وإما أن يرى شابًا وصل إلى هذه النقطة وقد (لُعِب) عليه من إبليس والنفس والهوى ودعاة الغفلة في عالمنا، فلم يُخلّف وراءه إلا آلاف التفاهات والشتائم وضياع الواجبات والفواحش وصرف الأوقات في توافه لا تقدم شيئًا لعقله ولا علمه ولا مواهبه، وبرود واستسلام وهزيمة أمام الذنوب والعادات السيئة، فإذا هو في الأربعين كما هو في الخامسة عشرة، لولا بعض الفروقات الجسدية وبعض الأمور التي (فرضتها) تجارب الحياة بالإضافة إلى زيادة في طبائع السوء.

لا يوجد أخي شاب أي عمق أو سكينة أو غموض يتلبس شخصيتك حين تستنجد بطباع وأساليب وأقوال "تطنش" الدنيا وتسقط فيها قيمة الحياة أمام ميانة (تافهة) مع أصدقاء لم يزيدوك إلا سوءًا، لا يوجد أي غموض أو ميزة في علاقات شبابية تقلل من قيمة ضياع الوقت، لا يوجد إلا القبح في ألفاظ تظنها تجعلك عميقًا غامضًا يجعل الميانة هي الدرجة الأولى في قولك: نمضّي الوقت.. ونحوها من ألفاظ الفشل التي ستنتهي بك كما انتهى الأمر بالكثير من شباب الهيبيز في الغرب وقلّة من شباب (طنش تعش) عندنا هنا في الثمانينات والتسعينات الذين كانت تسيّرهم موضة ترك الدراسة حين ثبتوا على ما هم عليه وشابوا على ما شبّوا عليه وفي النهاية لا عائلة ولا مسيرة ناجحة ولا صحّة، ضاعوا في ظلمات البطالة والفقر والمخدرات والجنون.

ورسالتي إلى من يجرم بحق شبابنا بالدعاية لهذه الظواهر وإن أظهروا نقدها، كيف تكتبون عن ظواهر الأسى والتفاهة وكأنها ظواهر نتجت عن تأملٍ عميق من فلاسفة وحكماء أبرزها الشباب بقالبٍ رمزي؟

بدلًا من الكتابة عن الدرباوية كظاهرة تأمليّة ناتجة عن البحث عن الذات والتيه في دروب هذه الحياة، علينا أن نكون ألصق بواقعنا وبشبابنا ونكتب عنها مع استحضار الأسباب الفعلية كالبعد عن الله تعالى، والقدوة السيئة، وعدم متابعة الأهل، والبرود الأمني، وأن من مظاهرها إتلاف الأموال والمخاطرة بالنفس وتطبيع النفوس مع الفاحشة ثم السعي للحل ولو بجهد المقل، وليس الاستسلام أمامها أو إبرازها بتعمد من شياطين الإنس وكأن نيتشة وأفلاطون وسقراط وأرسطو راكبين هيلوكس ويفحطون في شوارع اليونان.

0 آراء:

إرسال تعليق

إن أصبت فمن الله -عز وجل-، وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان.
تزدان مواضيعي بردودكم وتفاعلاتكم.. فهي دافع للبذل والعطاء والاستمرار.

مُدَوّنَة [ الثائر الأحمر ] - راكان عارف © 2009 - 2015 | 1430 - 1437 | الحقوق محفوظة، وتتاح مع ذكر المصدر | تصميم راكان عارف