الصفحة الرئيسية | عن المدونة | السيرة الذاتية | RSS | Twitter
Loading...

23‏/06‏/2016

[ العيّنة وصلت المعمل ! ]


    قيل الكثير عن عدنان إبراهيم، وكل التسميات التي وصف بها لا تهمني مطلقًا، سآخذ هذا الرجل وأضعه في معمل يهتم بالمعلومة التي يبني عليها مئات الشتائم و(الحقائق!) التي يغرّد بها لسانه كـ (طاغية.. دجال.. قرد.. حقير.. قرد القرود.. عفريت) وهذا في مقطعين، واختياري لهذين المقطعين كان عشوائيًا، ثم أقوم بعد مشاهدة المقطعين بعمل تجربتين دقيقتين كما أزعم لمعرفة (مصادر) هذا الشخص، لأن المصادر هي رأس ماله الطبيعي التي يبني عليها هذا من الإستعراض الخطابي، فالرجل أسلوبه كالتالي: يأتي برواية.. ثم يقوم باستعراض خطابي ينفخ فيه ويزيد ويبدي ويعيد، وهذه الأساليب ينبغي ألا تنطلي على الشاب الذي يثق بأهمية (التثبت) و(التساؤل) في تحصيل المعلومة.

    مع التنبيه بأني غير مهتم مطلقًا ونهائيًا وبكل سرور بإقناع أي شخص يُستفَز أو يقع في نفسه أنه المقصود حين تصل لأذنه جملة (أتباع عدنان) ونحوها من مخلّفات المعارك والمراء في شبكات التواصل، فأنا أكتب هذا المقال وأقدمه لأهل الوعي ومن أهابهم لعلمهم وعقلهم من الشباب الحصيف.

    على أيّة حال.. دعوني آخذ العينة بالمنقاش ولنضعها سويًّا تحت المجهر:

  ( 1 )


     في هذا المقطع الذي وصف فيه عدنان إبراهيم الصحابي معاوية رضي الله عنه أنه (طاغية) وأن (أسلوبه حقير) وأنه (دجال).. إلخ.

    هنا عدنان يأخذ رواية ثم بناءً عليها يشتم ويلعن ويحتقر ويرفع صوته، وبما أن هذه الأساليب لا يمكن أن تنطلي على من لديه ذرة عقل، فإذن.. لنفكر بتأني: عدنان إبراهيم شتم معاوية بناءً على روايات،  فأوّل أمر يفرضه العقل السويّ على صاحبه المستمع لهذا الكلام أن يسأل نفسه بعد سماع الرواية وقبل أن يتابع في الاستماع للبكائيات المبنية على الرواية فيقول: من أين أتى بالرواية؟! هل هي من مصادر الشيعة؟! فإن كانت من مصادرهم فهي لا تعني أهل السنة والجماعة لأن مصادرهم مختلفة تمامًا ومصادمة لمصادرنا وطريقها لا علاقة له بطريقنا ومنطلقاتها مختلفة تمامًا عن منطلقاتنا.

     فأما إن قال: هي من كتبكم يا يا أهل السنّة، فكتبنا فيها الضعيف والموضوع والصحيح والحسن والحسن لغيره، وهناك علم يتعلق بالسند وآخر يتعلق بالمتن، وهناك الجمع بين الروايات.. وغير ذلك.

    إذن.. لنأت إلى هذه الرواية بعد استبعاد شوائب (النواح) عنها.

    هذه الرواية التي قالها عدنان في المقطع:

    (عن ابن عمر قال: دخلت على حفصة ونسواتها تنطف، قلت: قد كان من أمر الناس ما ترين، فلم يجعل لي من الأمر شيء. فقالت: الحق فإنهم ينتظرونك، وأخشى أن يكون في احتباسك عنهم فرقة. فلم تدعه حتى ذهب، فلما تفرق الناس خطب معاوية، قال: من كان يريد أن يتكلم في هذا الأمر فليطلع لنا قرنه، فلنحن أحق به منه ومن أبيه. قال حبيب بن مسلمة: فهلا أجبته؟ قال عبد الله: فحللت حبوتي، وهممت أن أقول: أحق بهذا الأمر منك من قاتلك وأباك على الإسلام، فخشيت أن أقول كلمة تفرق بين الجمع، وتسفك الدم، ويحمل عني غير ذلك، فذكرت ما أعد الله في الجنان. قال حبيب: حفظت وعصمت).


    إذن؛ بناء على هذه الرواية شتم العينة عدنان إبراهيم معاوية شتمًا مقذعًا لا يدلّ على خلق عال ولا أدب سويّ كما رأيتموه في المقطع، مع العلم أن العيّنة بدأ أول تدليساته في أول المقطع الكامل من المحاضرة (فزوّد من عنده!) على الرواية بالنص بهذه الطريقة: (وقال معاوية وهو ينظر لابن عمر: من كان يريد أن يتكلم..!!) وكرر هذه التدليس الصريح حين قال وكأنها نص في الرواية: (يعرّض بعمر بن الخطاب) وهذا ليس في الرواية إطلاقًا.. وهذا في البداية!!

    المهم.. لنرى الآن حقيقة هذه الرواية في هذا البحث الذي أعدّه أحد الدكاترة قبل سنوات من ظهور العيّنة عدنان، فهو بعيد عن سياق المعارك الإعلامية الحاصلة الآن، من يبحث عن الحق ليقرأ هذا الكلام إن كان مهتمًا فعلًا وليس مجرد معاندة، أما صاحب الهوى فلن يعجبه العجب ولن يقتنع ولن يقرأ المكتوب أصلا، وهذا مضيعة للوقت والجهد، ولا فائدة من استدعائه أو تنبيهه، بل الفائدة في تجاهله حتى يدرك جهله:

    ( 4 ) روايـات تـاريخيـة بـاطـلـة

    إذن؟!! فتلفظ عدنان هنا ضد معاوية رضي الله عنه جاء في هذا المثال بناء على:

       1. تزويده على الرواية بألفاظ من اختراعه وإضافته.
      2. رواية عليها كلام واضح من المتخصصين بعلم الحديث.

    فأي ظلمٍ هذا لمعاوية؟! وإن الإنسان العاقل لتشمئز نفسه من مواقف الكذب إن اكتشفها في صاحبٍ أو زوج، فما بالك إن وجدتها فيمن رأى من نفسه أمامك موجهًا ومعلمًا.

 

 ( 2 )

    ونأتي الآن إلى المقطع الثاني للعينة عدنان إبراهيم، وكالعادة يأتي بالقصة على السريع ثم يصنع حولها لطميّة وصياح ونياح ومبالغة في الصراخ والتمثيل كي يحقن القصة بالغصب في قلوب الناس قبل عقولهم، شاهدوا المقطع وركزوا بداية في قوله "أبو الغالية ((الذي ثبت)) أنه قتل عمار بن ياسر" بدون أي تفصيل يتعلق بقوله (الذي ثبت)، ثبت وبس يا جماعة، بدون (كيف؟ ولماذا) وإنما (ثبت) والمفترض أنكم لا تسألون وإنما تسلكون معه حيث سلك.

 

    وهنا عدنان يحاول أن يقطع تزكية الله للصحابة في بيعة الرضوان من خلال هذه الشبهة، ولذا.. نعلم هنا جيدًا أن الأمر لا يتعلق بمعاوية رضي الله عنه وأرضاه بل بكلّ الصحابة، فلذلك يحاول هنا أن ينزع منهم الرضى، ويحاول أن ينزع البشرى بالجنة لهم.

    يقول العيّنة عدنان إبراهيم في ذات المقطع أيضًا: ثبت وصح عن رسول الله!!. دون ذكر أي مصدر واحد على هذه الجملة الخطيرة، فقط ثبت وصحّ وعليكم التسليم. وكأن الأمر يتعلق بفتوى عابرة أو بدرس فقهي هادئ، وليس بقضية تمسّ وحدة الأمة ولها تأثير مباشر على كوارث سياسية وفكرية تمرّ بالمنطقة، وأنّ هذا الإثبات تُحَد له السكاكين وتُشعل بسببه المفخخات وتموج له الفتن المظلمة، وهذا كثير في نتاج هذا العيّنة، دائمًا يردد: ثبت.. صح.. وهذي قاعدة، فهو يعتمد على غباء أو جهل أو تسرع المتلقي، وإلا فاكتشاف تدليسه أو كذبه أو خطئه (في أقل الأمر) يكفيه ساعة من نهار، وقد كنت أستغرب صمت من أمامه واستسلامهم، فلا سؤال أو تعقيب، حتى رأيت صورة له وحيدًا في مسجده الصغير (مع المصوّر بطبيعة الحال) والكاميرا أمامه ويلتفت كأنه يخاطب جموعًا مع أن المكان فارغ، ثم رأيت مقطعًا للكويتي عبدالحميد دشتي وهو يصنع ذات الحركة المسرحية وكأنه يخاطب جمهورًا عريضًا، مع أنّه لوحده، فضحكت، وتعوّذت بالله من الريال الإيراني، ثم عتبت على الريال السعودي والدينار الكويتي!!.

    أما الحديث الذي ذكره بأن قاتل عمار وسالبه في النار.. فلم يثبت كما وضح ذلك الكثير من علماء السنة في القديم والحديث وقبل أن يولد عدنان، كالذهبي وابن حجر وابن عدي والفلاس وابن حبان وغيرهم كثير جدًا: (في الحقيقة لا أعلم عن وجود غيرهم لكن هذي بروفة لكم أعزائي القراء كي تعلموا من خلالها سهولة التدليس واللعب على عقول المغفلين ممن تنطلي عليهم هذه الأساليب، فإن صدقت فأنت على خطر من أن تكون مرفاعة بارك الله فيك)، ومن جهة أخرى يقول الباحث اليامي فيما يتعلق بقتل أبي الغادية لعمار رضي الله عنهما: (لم نجد رواية ثابتة جاءت من طريق صحيح لإثبات قتل أبي الغادية لعمار، وهو ما أكده شيخ الإسلام ابن تيمية: «لا بد من ذكر الإسناد أولاً فلو أراد إنسان أن يحتج بنقل لا يعرف إسناده في جزرة بقل لم يقبل منه، فكيف يحتج به في مسائل الأصول؟!» "منهاج السنة النبوية 8/110")، ومع ذلك يثبته ويستشهد به ويلطم حوله ليلغي فضل بيعة الرضوان، لكن الحديث لم يثبت لذا احذفوا من المقطع كل الدقائق التي لطم فيها حول أبو الغالية لينزع الرضى عن الصحابة، فهو كسابق: بُني على حديث باطل.

*          *          *

    ثم انظر لكلام العيّنة عدنان إبراهيم حين أراد أن يثبت أن عبدالله بن أبي المنافق بايع في بيعة الرضوان، وذلك كي يثبت أن الرضى في الآية ليست مطلقة؛ لأن هذا المنافق -بزعم عدنان- قد بايع، فكيف يكون مرضيًا عن الجميع وهو منهم؟!! حسنًا.. ماهو مصدره على مبايعة عبدالله بن أبي؟! مصدره ما ذكره بعظمة لسانه في ذات المقطع (كما تذكر كتب السير)!!!

    يا سلام.. يا سلام سلم على المصدر!! هذا نفس الشخص الذي كان يزعم قائلًا بإلحاح: (أنا ما أجيب إلا من الصحاح)؟! ثم يأتي بروايات من كتب السير التي تحوي الصحيح والموضوع وحتى الخيال العلمي!! كتب السير التي ذكرت فيها قصص الجن والإنس وعاد وثمود وأصحاب الأيكة والعمالقة وحروب الجن كأنها برنامج واقع!! أهذا مصدره؟! حكايات ألف ليلة وليلة؟!!

    والطريف أنه قالها مرة أخرى بشكل سريع وبنبرة خافتة لأنه يعلم جيدًا أنها من حطب الليل، وبملامح لايوجد أدنى شخص لديه ذرّة فراسة وتأمل في الوجوه يخفى عليه خجله من ذكر المصدر، شاهدوا (وركزوا) في نفس المقطع في الدقيقة 2:48 لما رفع صوته وقال بنبرة واثقة عن مبايعة عبدالله بن أبي: (حتى تعرفوا أنه من المبايعييييين.. حتى ما تنسوا هالمعلومة) ثم رفع صوته أكثر وببطئ وتركيز قائلًا: (عبدالله كااان من المبايعيييييين!) ثم فجأة!! فجأة يا جماعة!! انخفض الصوت سريعًا وتسارعت نبرته وابتلع الأحرف وتيبست ملامحه وهربت عينه بعيدًا حين جاء ذكر المصدر، حيث قال في أقل جزء من الثانية وبأخفت صوت سمعته من حلقه منذ سمعته: (موجودة في السيرة!!) كأسرع جملة قيلت في التاريخ، لو تحوّلت هذه الجملة إلى إنسان عدّاء في أولومبياد 1938 لقام هتلر من مكانه بسببها وليس بسبب جيسي أوينز كما يزعم الأمريكان، قالها وكأنه يلقي عيبًا فعله، بدون حتى ذكر كتاب أو صفحة.. أو أي شيء.

*          *          *

    ومن استطراده الطريف أنه زعم بطريق غير مباشر أن الدكتور عثمان الخميس دافع عن عبدالله بن أبي المنافق واعتبره صحابي، وذلك حين قال العينة عدنان إبراهيم -كما في المقطع- يشتم عبدالله بن أبي: (قال ابن أبي: شفناه قبل كذا.. ههههه.. وين شفته يا قرد؟!) ثم التفتَ بحركة هوليودية للكاميرا وقال موجهًا حديثه لعثمان الخميس: (علشان تقول لي يا عثمان الله يسامحك: كيف تقول لي عن الصحابة قرد؟!! والله قرد القرود هاي، والله قرد وعفريت هذا!!) ضحكت كثيرًا على هذا الافتراء اللحظي، لم أعلم أن للافتراءات وجبات سريعة، يعني أنت للتوّ واللحظة قلت كلمة (قرد)، وضد من؟! ضد مَن كل أهل الإسلام على اختلاف مذاهبهم وأولهم الدكتور عثمان يجمعون على أنه من فئة المنافقين في العصر النبوي، ثم قلت: علشان ما تقول لي كيف تقول عن الصحابة قرد؟! ياللسخرية، منذ متى والدكتور عثمان الخميس يعتبر عبدالله بن أبي صحابي حتى تزعم أنك ترد عليه؟! ومتى رد أصلًا وأنت للتو قد تلفظت بكلمة (قرد) التي زعمت أنه ردّ عليك بها؟!! لكن هذا خلط سخيف منه وسخرية مستفزّة بعقول من يتابعه من أهل النُهى.

 *          *          * 

    ومن عجائبه في هذا المقطع نسبته لجملة قالها أبو بكر الصديق.. فنسبها لعمر بن الخطاب، وزيادة على أنها لأبي بكر وليست لعمر كما زعم، فهي في الأساس لا أصل لها، يقول الدكتور عائض القرني عن هذه الرواية: (يوجد أثر يروى -وهو موجود في بعض الأشرطة- يقولون: أرسل الله جبريل إلى محمد عليه الصلاة والسلام، فقال جبريل: "يا رسول الله! إن الله يقرئك السلام، ويقول: أقرئ أبا بكر السلام، وقل له: هل رضيت عني فإني قد رضيت عنك؟" فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبر أبا بكر وقال: "إن الله: يقرئك السلام ويقول: هل رضيت عنه، فإنه قد رضي عنك؟ قال: نعم. ولكن والله لا آمن مكر الله، ولو كانت إحدى قدمي في الجنة والأخرى خارجها".

   هذه قصة مكذوبة، إنما نبهت عليها لأنها موجودة في بعض خطب الجمعة لبعض الناس، هذه لا تصح وهي مخالفة للنصوص، وسندها باطل، ولم يحدث شيء من ذلك أبداً، فلينتبه إليها المسلم، وفيها ملاحظتان:

        أولاً: الرجاء مطلوب، وأبو بكر صاحب رجاء.
        ثانياً: هذه الصيغة لم ترد، وسندها واه جداً، بل لم يثبتها أحد من أهل الصحاح) انتهى.

*          *          *

    أيضًا في ذات السياق ذكر حديث الرسول صلى الله عليه وسلم (إن من أصحابي من لا يراني..) وذكر موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه وخشيته على نفسه، والطريف أن هذا الحديث كثير ما يستدل به بعض القصّاصين الشيعة للدلالة على نفاق عمر.. حاشاه، بينما هو للدلالة على (ورع عمر) وهذا أمر لن تفهمه القلوب التي اختارت أن يكون طرحها مبني على الحقد والكره والبغض للصحابة، لأنها تفرح بأي كلمة ينتقص فيها الصحابي من نفسه ورعًا وخشية من الله إلى كونها إقرارًا بسوء النفس. وما بشّر النبي صلى الله عليه وسلم عمر بالجنة إلا لهذه الصفات والمواقف العظيمة التي اتصف بها، فهم اختاروا موقفًا يقرّب عمر من الجنة، ليجعلوه أحد أسباب نفاقه!!، وهل نسينا أن محمد صلى الله عليه وسلم كان من دعائه: اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على الإيمان!!! ألم يُبشَّر النبي بالجنة وبالحوض وبالرفيق الأعلى؟! فمما يخاف إذن؟ وكيف (بهذه العقلية) يخاف صلى الله عليه وسلم من انقلاب قلبه عن الإيمان مع أنه يعلم بعصمة الله له؟! ألا يثق بوعد الله تعالى؟

    الجواب: الأمر الذي لم يفهموه أو ربما لا يريدون أن يتقبلوه لطبيعة العقيدة المترسبة مسبقًا أن هذا هو الورع والخشية من الله تعالى، ولذا كان الصحابة يخشون من الفتنة إلى آخر لحظة من حياتهم، وكذا الرسول نفسه كان يسأل الله الثبات.

    ولمزيد توضيح، تخيّل معي لو أنّ أبًا كان على فراش الموت يحيطه أولاده والدكتور والممرضين، ثم قال الأب لأولاده: أنا مقصّر معكم كثيرًا. لتتخيل حينها أن أحد الأولاد صاح في والده: (إيش! والله كنت حاس، لكن اعترفت بلسانك، والكل أنصت لكلامك.. i hate you dad.. i hate you..) أي ظن ستظنونه في هذا الولد؟!، أما أنا فأجزم أن الدكتور سيخنقه من الخلف وبقية الممرضين يبعجونه مع.. اممم.. مع بطنه.

*          *          *

    أما حديث المسيب الذي قال فيه للبراء بن عازب رضي الله عنه: طوبى لك، صحبت النبي صلى الله عليه وسلم وبايعته تحت الشجرة، فقال: يا ابن أخي، إنك لا تدري ما أحدثنا بعده. (رواه البخاري)، فكما سبق معنا، تفسير مثل هذه الأحاديث يرجع إلى نفس المفسر لها كحديث عمر بن الخطاب تمامًا، من لديه مشكلة مع الصحابة لا مانع لديه من أن يسيء الظن ويفسر على ما يشتهي، ومن أحبهم وعلم قدرهم عرف أن كلام البراء بن عازب رضي الله عنه من باب الورع والخوف من الله والشوق لأيام الصحبة لرسول الله والذي لا يمكن أبدًا أن تقارن الأيام التي بعدها بأيام رسول الله، وقد أظلمت المدينة بعده وكان فقده مصيبة عظيمة بقيت في نفوس الصحابة رضوان الله عليهم.

    وأعظم دليل يوضح هذا المعنى هو حديث (نافَقَ حنظلة) الذي حصل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وهو حي بين ظهرانيهم حيث شكا الصحابي حنظلة رضي الله عنه أنه حين يجلس مع النبي عليه السلام يجد في نفسه لذة الإيمان وانشراح الصدر، وحين يرجع إلى أهله وعمل يومه يجد قسوةً في قلبه وتغيّرًا، فلم يقل حنظلة رضي الله عنه (لا تدرون ما أحدثت بعد مجلس رسول الله) بل نصّ على نفسه بالنفاق وقال عن نفسه (نافَقَ حنظلة!) فلم يوافقه عليه الصلاة والسلام على هذا الوصف وأخبره صلى الله عليه وسلم بحقيقة الأمر وأنهم لو كانوا على الحال التي هم فيها عنده لصافحتهم الملائكة.. إلخ، ولم يقل -حاشاه عليه السلام- هذا القول الذي سينص عليه من يفكر كهذا العيّنة لو كانوا قد قابلوا حنظلة: (صحيح.. صحيح.. أنت قلتها بعظمة لسانك يا حنظلة، أنت منافق، كيف تصير مؤمنًا أمام رسول الله عليه السلام ثم تتغير نفسك بين أهلك؟ ثم إنك قد قلت بعظمة لسانك أنك نافقت، فأنت إذن منافق بالضرورة!!!

    لذا يُنظر إلى هذه الأحاديث من جانب ورع الصحابة وخوفهم من الله تعالى وحذرهم من النفاق والكفر والفسوق والعصيان.

*          *          *

    أما آية (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة) فقد أتى العيّنة عدنان إبراهيم بحجة الإثنى عشرية إذ يجعلون رضى الله هنا مقيدًا بمجرد البيعة، أي: رضي الله عنكم وقت مبايعتكم فقط. مع أن رضاه تعالى عنهم مطلق لأنه علم ما في قلوبهم مسبقًا، ثم ماذا عن قوله تعالى عن المهاجرين والأنصار (وفيهم أهل بيعة الرضوان): (رضي الله عنهم ورضوا عنه) هل تريد أن سنقيدها إلى سوء الظن كالأمثلة السابقة؟! الله عز وجل لا يرضى إلا عن مرضي يعيش على الرضى ويموت على الرضى، كما قال تعالى عن أبي لهب وهو حي يُرزق وقتها: (سيصلى نارًا ذات لهب) فعاش ومات على الشرك، لأن الله علم ويعلم أنه يعيش على الكفر ويموت على الكفر، لكن هذه النظرة نظرة من لم يقدر الله تعالى حق قدره، فيقيس عظمة الله تعالى بنفسه البشرية، يقول الكلام فيأتي الواقع مناقضًا لما قاله فيظن أن هذا يحصل مع كل أحد، لكنّ الله تعالى عالم الغيب والشهادة، وعالم بما كان وما يكون، فحين يُلبس الرضى قومًا في كتاب محفوظ إلى آخر الزمان فإنه يعلم أنهم قد بايعوا على الرضى وسيموتون على الرضى.

    أما قوله عن سعيد بن المسيب فيكفي فيه خلطه المتعمد بين بيعة الرضوان (وهذا ما يختص بابن عمر) والشهادة بالجنة وهذا موضوع آخر وهو الذي يرى بن المسيب عدم ذكره لأن لفظة الشهادة بالجنة لم ترد إلا في فئة معينة.

*          *          *

   هاتان تجربتان أثبتتا أن عدنان إبراهيم يستغفل المتابع له ويتكئ على بساطته ويعتمد اعتمادًا كليًا على أن يكون متابعه مغرورًا بجوانب الجهل عنده (وكل إنسان عنده هذه الجوانب فالمغرور بها يسهل استغلاله بأي معلومة تتصف بالصدمة)، بينما لو كلف هذا المتابع نفسه بالتثبّت ليلة واحدة على الطريقة التي اتبعتها هنا سيكشف بسهولة أساليب هذا الرجل وتعمده التدليس وخلط الحابل بالنابل.

    لا يهمني إطلاقًا إن كان هذا العينة سني أو شيعي أو كتابيّ أو مرتزق أو زنديق إلخ هذه التسميات، المهم هو: ماذا قال لي، وماذا صنعت بقوله ما دمتُ مهتمًا؟

.
مُدَوّنَة [ الثائر الأحمر ] - راكان عارف © 2009 - 2015 | 1430 - 1437 | الحقوق محفوظة، وتتاح مع ذكر المصدر | تصميم راكان عارف