الصفحة الرئيسية | عن المدونة | السيرة الذاتية | RSS | Twitter
Loading...

08‏/07‏/2011

[ الكشّاف 1999م ] - الجزء الثاني.

بيجر-جهاز-النداء

رفع ريّان بصره فإذا أستاذه خالد، يناقش التلاميذ: "هاه يا زيد، إيش نوع بيجرك؟"

زيد أحد الطلاب الذين يقبعون في المقدمة دون أدنى فائدة تمسّه أو تمس دراسته.. اللهم إلا هياطه وغروره بأدواته وألعابه وأقلامه.. ووو، نظر زيد إلى التلاميذ بطرف عينه، ومع تظاهره بالخجل.. أمسك طرف السلسلة الذهبية المعلّقة في جيبه الأيسر وعليها صورة السيفين والنخلة وأخرج جهاز البيجر، وقال بزهو مستفز لزملائه: "بيجري من نوع شاهين يا أستاذ.. بيجري القديم كان موتورولا.. لكن ما حبيته واشتريت هذا".

"حلو حلو" قال الأستاذ، ثم التفت إلى سامي صديق زيد، وجاره الذي يجلس خلفه ويقارب زيد في طباعه لكنه تابع له ومقلد: "وانت يا سامي، إلى الحين على البيجر الخليجي؟"

"لا.. أستاذ" رد سامي بحماس "أنا ألحين شريت المطوّر فيه تغيير النغمات".

رد الأستاذ: "ما شاء الله" ثم التفت إلى تركي الجالس عن يمينه، ولمح طرف السلسلة الذهبية بادية من جيبه فقال: "وأنت يا تركي.. إيش نوع بيجرك؟".

طبعًا تركي تمنى في تلك اللحظة أن تبتلعه الأرض فورًا ودون مقدّمات؛ لأن السلسلة كان طرفها البارز يعضّ جيبه للمباهاة فقط، لأن الطرف الآخر خاوٍ ومتدلٍّ إلى الداخل دون ارتباطه بأي جهاز، فهو معجب بالسلسلة ولم يشتر البيجر.. لذا أخذ السلسلة للزينة فقط.

"مامعي بيجر أستاذ.. بس السلسلة تصلح زينة" أجاب تركي بارتباك وخجل.

انفجر الصف بالضحك، والأستاذ يحاول أن يسكتهم لكن ضحكه هو الآخر منعه من ذلك.. وطبعًا كان تركي يسبح في مشاعر مقرفة من الخجل الشديد، ولكن ريّان حقد عليهم فقال لا إراديًّأ: "والله يا أنتم قديمين يا أستاذ".

صمت الصف، والتفت الأستاذ يبحث عن مصدر الصوت، فسأل: "قديمين؟!!".

"إي نعم" أجاب ريان فانتبه له الأستاذ" "البياجر قديمة مرّة يا أستاذ، وبعدين والله إنها مسخرة في مسخرة".

ابتسم الأستاذ بينما أخذ الطلاب ينتقلون ببصرهم بين زيد وسامي أصحاب البياجر المغرورين، والأستاذ.. وريان.

"مسخرة؟! ليش مسخرة يا ريّان؟!" سأل الأستاذ.

"إي والله مسخرة يا أستاذ، ألحين مثلًا أنت جالس بالاستراحة، أو متبطح بالمنتزه، ثم تجيك نغمة تنبيه بالبيجر، وتروح تقوم وتركب سيارتك وتدوّر عن كابينة أو ترجع للبيت، ثم تدق على الرقم علشان تقول له بكل بساطة: مبيجرني أخوي؟! يخرررب بيت المسخرة.. مدري كيف كنتم عايشين؟!"

"كنّا؟!" سأل الأستاذ باستغراب.

ارتبك ريّان ثم أدرك الوضع: "إي نعم كنتم، قصدي لأن البيجر صار قديم ألحين".

"إذا البيجر قديم إيش هو الجديد عندك" سأل زيد بابتسامة حاقد، فأخرج ريّان جوّاله، وقال: "هذا الجديد يا حبيبي.. الجوال!!".

وقف أغلب الصف واقتربوا من ريان، وأصيب الأستاذ بالذهول.. وسأل: "إيش هذا يا ريان؟!"

"هذا جهاز اسمه الجوال ما راح تلقونه بأي مكان بالعالم لأنه هديّة خاصة من مخترع ما تعرفونه لكن أنا أعرفه، إذا بيجر زيد وسامي به نغمات وأشياء عادية، الجوال حقّي يتصل بالغير، ويستقبل مكالمات زي التلفون، وبه نغمات، ويلتقط صور زي كاميرا التصوير، ويصوّر فيديو، ويرسل رسائل ويستقبل.. وتحط فيه أي نغمة تبي، وفوق هذا به ألعاب.. ويدخل الانترنت".

"إيش هو الانترنت؟!" سأل زيد.

"ما تعرف الأمور هذي يا زيد.. حقّت ناس كبار.. خلك على بيجرك الخايس" أجاب ريّان بشماتة.

جلس زيد وسامي يكسو وجوههما الإحباط المخلوط بالغيرة، واجتمع الطلاب حول ريّان.. لكن المدرّس كان فاغرًا فاه، مذهولًا من هذا الشيء، وراغبًا به بشدّة.. لذا قال دون تردد: "بكم تبيعه يا ريّان؟"

ضحك ريّان باستغراب ثم قال ساخرًا: "إيييش.. هو صح به الميزات هذي، بس تراه جهاز الكشّاف العادي يا أستاذ.. ما يسوى قرش.. لكني أحتاجه غصبن علي" أجاب ريان.

" 4000 ريال؟" سأل المدرس.

صُدِم ريان وقال: "حشا.. والله لو هو آيفون.. ترى يا أستاذ هذا جــ..."

"5000؟" قاطعه المدرس.

استغرب ريّان وأصابه الطمع فقال: "والله يا أستاذ هذا اخترعه صديق من أوروبا اسمه نوكيا.. صعبة مرة أعطيه أحد لأني ما عندي غيره".

انتهت الحصة وخرج المدرس وهو ينظر إلى الجوال بطمع، وفي وقت الفسحة اجتمع المدير والمدرسين بريّان وحاولوا شراء الجوال حتى أوصلوا سعره إلى عشرة آلاف ريال لكن ريّان رفض هذا الأمر.. وأحسّ بقيمة الجوال المادية عند هؤلاء.

ميزان-أسعار-سعر-الجوالات-الموبايلات-غالية-prices-price-mobile-expensive

بعد انتهاء الدوام كان ريّان متجهًا لبيته وسارحًا بأفكاره: "الله يالدنيا.. انت يالكشّاف ياللي ما تسوى عدسة آيفون يصل سعرك لعشرة آلاف؟!! والله دنيا!!".

انتبه ريّان لرفحاء.. مدينته الصغيرة والهادئة، وابتسم وهو يبصرها مع رجوعه إلى عام 1999م،

وتحولت ابتسامته إلى ضحكة حين رأى بعض المراهقين يلبسون ثوبًا مخططًا باللون الرمادي المتدرّج مع قبعة مغربية مدبّبة متصلة بهذا الثوب: "يا قدم الموضة هذي" قال ريان، "أموت أعرف إيش كانوا يحسّون فيه وهم لابسين الثوب المضحك هذا!".

وبعد أن اتجه للبيت اضطجع قرابة الساعتين قبل أن يوقظه والده: "ريان.. ريان.. قم.. إيش مسوّي بالناس أنت؟! غسّل وجهك.. وتعال لمجلس الرجال ألحين".

نهض ريان مسرعًا، وغسل وجهه ثم اتجه إلى المجلس فوجد مئات الرجال مجتمعين داخل المجلس وأمامه، وذهل حين رأى تجار المدينة ومسؤوليها ومدرسيه وذهل أكثر حين رأى مشرف الرياضيات.. فقد كان يظنه يختفي من الحياة ثم يظهر فجأة كل سنتين في حصة الرياضيات كي يقوم بتهزيء المدرس.. ويسأله هو بالذات كي يعرف مستواه كل مرة في صدفة غريبة.

الطمع-الجوال-عيون-أعين-موبايل

"تعال اجلس هنا يا ريّان" قال والده، وأكمل بعد جلوس ريان: "هؤلاء يا ريان اجتمعوا هنا حتى نعمل لهم مزاد على الجهاز اللي معك".

"الكشّاف؟" سأل ريان بابتسامة.

وقف المدرس خالد الذي نشر الخبر بين الناس: "إي نعم هو اللي تسميه الكشّاف.. أحنا في المدرسة وصّلنا السعر لعشرة آلاف يا ريان ومستعد أعطيك 15000 عليه.. قل تم".

"أي تم يا جماعة" قال ريان "تراه كشاف.. كشاااف يا عالم.. أكثر جهاز مسخرة بالعالم.. صدقتوا عاد".

نهض التاجر المعروف بين الناس بشهبندر رفحاء وقال: "أنت ألحين ما قلت للأستاذ خالد ما فيه غير هالجهاز بالعالم وأنه هدية ؟"

"إي نعم.. قلت له" أجاب ريان "بس أنا ما علي.. لوحده ولا مو لوحده، أنا أعرف أنه مسخرة وأن حقه الكسر".

تعالت الأصوات تعرض أعلى الأسعار على ريان، لكن قاطعهم الشهبندر وقال لريّان: "راح أعطيك سيارتي الواقفة هذي، ومعها هديّة منّي جهاز بلايستيشن 1.. مع أشرطة وجيم شارك وساترن وننتندو 64 واللي تبغى من محلّاتي الإلكترونية".

"البلايستيشن قير ولا قيرين؟!" سأل ريان.

"اللي تبي!" أجاب الشهبندر.

قال ريان: "لا.. لا.. أنا أحس أني أظلمكم كذا.. يا جماعة أقسم بالله الجهاز مسخرة.. لو شفتوا الأيفون وش تقولون؟"

"طيب الأيفون هذا معك؟" سأل مشرف الرياضيات.

"لا والله نسيته في عام 2011م" أجاب ريان.. وسرت بعد هذه الإجابة الغريبة عليهم لحظات صمت حوت نظرات الشفقة من الجميع على حال هذا الولد المجنون(!).

"يا ولدي ابلع العافية الله يصلحك.. أي 2011 الله يخلف علي" قال والد ريان.

بعدها قام أحد الشباب وقال للجميع: "أنا عندي اقتراح رائع لكم.. بدل ما نتشاجر على هذا الجهاز لماذا لا نجعله نموذج ننطلق منه جميعًا للاستثمار من خلاله.. نقدمه على شركة صينية أو يابانية ونخليهم يخترعونه.. منها يصير لنا أجهزة.. ومنها نربح جميعًا".

تعالت الأصوات مؤيدة لهذا الاقتراح الجميل لكن ريّان قام واقترب من الباب وصرخ: "مستحيييل.. no way.. أنتم راح تغيرون وجه التاريخ كذا، لو كانت البداية بهذا الجوال لصار النموذج الأولي لكل اختراع جوال في المستقبل، يعني ننسى الأيفون والجالكسي.. مستحيل مستحيل مستحيل!!".

قام شهبندر رفحاء غاضبًا وقال: "يا ابني يا ريان.. تراك أزعجتنا بالأيفون حقك.. عطنا الجهاز هذا ولك النسبة الأكبر من الأرباح".

"لااااا.. أبدًا لن يحصل هذا الأمر" قال ريّان وهو يتجه نحو الباب: "هذه جناية على التاريخ.. ما راح أسمح بقطع تدرّج التطور من خلال الكشاف.. الظاهر راح أكسر الجهاز".

هروب-ركض-ولد-خوف-فزع-مطاردة-أشباح-أطفال

هرب ريّان مباشرة مع الباب الخارجي، وتبعه الكل.. وألقى الكبير وقاره.. وبشته، والتاجر حشمته، والصغير حياءه.. وأخذوا يطاردون ريّان الذي ركب داتسون والده ووجد نفسه في مطاردة خطيرة في شوارع رفحاء، فاضطر إلى الخروج مع طريق لينة ليتجّه إلى آبار زبيدة كي يلقي الجوال فيها.. لكن ما إن توقف وصار عند فوّهة البئر حتى اجتمع الناس من حوله يرجونه ويلحون عليه بعدم إلقائه.

"بس.. بس.. خلاااص يا جماعة أنا أتفاهم معه" صرخ الشهبندر. "يا ابني يا ريان.. يا حبيبي.. والله ماله داعي اللي قاعد تعمله هذا.. هات الجهاز وأبشر باللي تبي".

أجاب ريّان: "مستحيل.. لو تموت وتحيا من جديد.. الجهاز هذا حصلت لي فرصة إني أقطعه من التاريخ وما راح أضيعها.. لما أعطيكم هذا الجهاز يعني لا جيل ثالث ولا شاشة لمس ولا آيفون".

"الله يقطعك ويقطع الآيفون معك" همس الشهبندر.

"إيش" سأل ريان.

"لا ولا حاجة.. اسمع يا ابني أنا عندي اقتراح".

قال ريان: "تفضل".

"إيش رأيك يا ابني تعطيني الجوال هذا، وراح أقول للشركة إنها تسمع كلامك حول الجهاز اللي اسمه أيفون وتخترع لك مثله بالضبط؟".

"هاه؟!" أخذ ريان يفكّر.. ثم قال: "بس بشرط يا حضرة الشهبندر.. الآيفون يصير لي وحدي.. حقّي مقّي.. ما أبغى أي نسخة ثانية منه".

"لا مشكلة" أجاب الشهبندر "اللي تبغاه يصير.. ولك 50% من الأرباح بعد، وراح نخليك عضو بمحافظة المدينة.. وعضو بلجنة أصدقاء المرضى.. والكرسي اللي بجنب العريّس.. أي عريس يعرس بالمدينة.. راح يصير الكرسي محجوز لك، وكذلك الكراسي اللي في مقدمة أي حفل.. لكن انت هات الجوّال ألحين".

ابتسم ريان.. واقتنع بكلام الشهبندر ولكن لما أراد التقدم ليسلّم الجوال زلّت قدمه بجانب البئر وسقط هو والجوال.. لكن جوانب البئر أخذت بالدوران حتى تكوّنت ملايين الجوالات التي تدور حوله بسرعة هائلة.. ثم ابيضّ المكان حول ريان.. وظهر شعار نوكيا مرة أخرى.. ليجد ريان نفسه في ذات البرزخ السابق.. مع ذات القزم صاحب اليدين الغريبتين.

"بسم الله الرحمن الرحيم.. أنت إيش قصّة أهلك معاي.. أنا كنت ألحين في صفقة مهمة مع شهبندر رفحاء وكنت راح أصير أغنى واحد بالعالم" قال ريان.

ابتسم الرجل القزم بخبث وقال: "طيب بسبب إيش هذه الصفقة الرائعة وهذا الازدحام الذي حصل من أهل مدينتك حتى صرت كأنك الملك عليهم؟".

أجاب ريّان: "بسبب الكشّاف".

رد الرجل: "إذن.. هل تعلمت الدرس يا ريّان؟!".

قال ريان: "لا ياشيخ.. تبغى تعمل فيها حكواتي وراعي عبر ومواعظ.. أيفون يعني أيفون.. وبعدين فكنا انت وشركتك المعفنة.. خلاص يا نوكيا.. 30 سنة وانتِ على صدورنا.. ارجعي لصناعة الأحذية زي ما كنت".

"انت الظاهر ما ينفع معك الطيب" ردّ الرجل، ثم تقدم نحو ريّان وحصلت بينهما مشاجرة عنيفة انتهت بسقوط الكشّاف من ريان لينكسر فينقشع العالم من حول ريّان ليجد نفسه مضطجعًا في غرفته على الأرض.. وجهاز الكشّاف يصدر نغمة الاتصال.

قام ريّان من مكانه.. وشعر بألم من رأسه بسبب القفزة التي قام بها من على السرير ثم اتجه للجوال، ورأى في الشاشة اسم (الوالد) ليجيب عليه: "هلا بابا".

"هلا حبيبي.. أنت بالبيت؟"

"أيوة بابا".

"طيب لا تطلع.. أنا اشتريت لك أيفون 4 هديّة، ومرّة ثانية كلمني أنا يا حبيبي لا تكلم أمّك.. لا تخجل مني".

كاد ريّان أن يطير من الفرح: "الله يعطيك العافية يا بابا".

وبعد أن انتهى من الاتصال، نظر ريّان إلى جوّاله الكشّاف وفكّر في كسره.. لكن خشي من العودة إلى ذلك البرزخ، فضغط على زر الإقفال.. وابتسم حين ظهر شعار نوكيا.. وتلك اليدان.. .

(انتهى)

الجزء الأول:

اضغط لمتابعة [ الكشاف 1999م ] - الجزء الأول.


2 آراء:

غير معرف يقول...

ما شاء الله تبارك الله

حكاية راااااااائعة

ونهاية جميلة وممتعة

الله يرزقنا

راكان عارف يقول...

أهلا بك أخي..
شكر الله لك طيب مرورك.

إرسال تعليق

إن أصبت فمن الله -عز وجل-، وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان.
تزدان مواضيعي بردودكم وتفاعلاتكم.. فهي دافع للبذل والعطاء والاستمرار.

مُدَوّنَة [ الثائر الأحمر ] - راكان عارف © 2009 - 2015 | 1430 - 1437 | الحقوق محفوظة، وتتاح مع ذكر المصدر | تصميم راكان عارف