الصفحة الرئيسية | عن المدونة | السيرة الذاتية | RSS | Twitter
Loading...

11‏/02‏/2011

[ ارفق بنا يا تاريخ ! ]



الصدمة في هذا العصر من انعطافات التاريخ مضاعفةٌ عما كانت عليه في الماضي، بل في السنوات الأخيرة بالذات، فما تحكيه النصوص التاريخية لا يقارن بالمعايشة الموسّعة من خلال التطوّر السريع في وسائل المتابعة، مهما كان الإبداع في الطرح والكتابة.

في الأسبوعين الماضيين أخذت أتابع في اليوتيوب أغلب الانقلابات والأحداث التي حصلت في تونس والعراق ومصر في القرن الماضي، ومرت عليّ أسماء كبيرة بحضورها التاريخي.. لا من ناحية الحكم عليها مدحًا أو قدحا، كالملك فيصل الثاني والعائلة المالكة العراقية، وعبدالكريم قاسم، ونوري السعيد، والملك فاروق، والسادات، والحبيب بورقيبة، وصدام حسين.. وحسني مبارك (new).

وقبل إكمال الحديث لا بدّ أن أشكر الأفاضل الذين أثروا المحتوى العربي (السياسي والتاريخي والوثائقي) في اليوتيوب، وارتقوا بقنواتهم وفيديوهاتهم.

في الماضي البعيد كان النائي عن أماكن التوتر والانقلابات وحوادث الدهر يُصدم –لا شك- بسماع أخبارها، وربما قرأتُم وصفَهُم لها وكأنهم غير مصدقين أنهم عايشوا هكذا أحداث، ويرون ذلك من أكبر العظات والعبر، حسنًا.. كان ذلك بحسب ما وصلوا إليه، أما نحن.. فقُدّر علينا أننا نُصدم بالصوت والصورة من مآلات الأيام، وعواقب السنن الإلهية، فهي محفوظة لنا وإن تجاوزتها الأيام والشعوب، نرجع لها متى ما أردنا، لنجد أكوامًا من دروس التاريخ المحفوظة، نراها رأي العين.. ونعيش أحداثها وكأننا بين أهلها.

جربوا أن تفرغوا أنفسكم أسبوعا لمتابعة أخبار الدول، وتاريخ السلاطين في القرن الماضي حتى يومنا هذا، ليس في كتب الأدب، ولا تاريخ الطبري، أو مذكرات الضباط الأحرار، وإنما تابعوها صوتًا وصورةً في المنافذ المتاحة لذلك في الشبكة العنكبوتية.. وعلى رأسها اليوتيوب.

هي بلا شك.. نقلة شعورية عظيمة، ودراية أعمق بعِبَر الزمان ومواعظ التاريخ.

جرّب أن تطّلع على مشاهدٍ تجمع بين عبدالكريم قاسم وزملائه بنوري السعيد والملك فيصل الثاني، وهم يبتسمون مع بعضهم ويستأنسون بتجمعهم، ثم انتقل بنفسك لتشاهد الملك وعائلته يُسحلون في شوارع العراق على أيدي أتباع قاسم، ثم انتقل في لحظات لترى عبدالكريم قاسم مغتالًا وبعضَ صحبه على أيدي آخرين، واقرأ ردود العراقيين على كلّ فيديو، وردد: سبحان الله !

ولتمرَّ على احتفالات زواج الملك فاروق، واجتماعه بعظماء الدنيا في ذلك الوقت، ثمّ انتقل لتراه يُخرج من قصره ما بيده أمرٌ ولا نهي، ثم اقفز لترى حاله في سفينة المحروسة.. ومن ثمّ في شقته بإيطاليا، ولك –أيضًا- أن تتابع المقابلات الحديثة مع بنته وابنه وتقرأ ردود المصريّين عليها، واستقبالهم لهم في زياراتهم.

ولك أن تتأمل في الحبيب بو رقيبة إذ ينزع الحجاب من رأس امرأة مسلمة لينزع الله ملكه، وتحارب في زمانه كل ما يمت للدين بصلة، ثم تتابع كلامه أيام رئاسته، وغطرسته في الحديث، ثم حوّل الموجة لتراه بعينك طريح الفراش، لصيق الأمراض والهموم، يزوره المنقلِب عليه (المنقلَب عليه فيما بعد!)، دون حولٍ له ولا قوة، لتبدأ غطرسة زين العابدين بن علي.. لا تتجول كثيرًا؛ لأنك تعرف الحكاية.. إلا إن قرأت هذا المقال بعد عدّة سنوات، ولم تدرِ بتفاصيل الخبر.

ثم قلّب سمعك وبصرك نحو صدّام حسين الذي كنا نرتعد من أخباره أيام الغزو العراقي، شاهد تصريحاته، وعش في اجتماعاته، واحتفالات عائلته، ورحلات الصيد لأبنائه، ثم استمع لآهات الموتى في حلبجة، وطالع أطفال العراق في سكرات الموت أيام الحصار، ثم انتقل للقبض عليه، والتحقيق معه، ومحاكمته مع أسماء كانت أخبارهم كالخيال البعيد المخيف (الكيماوي، طارق عزيز، برزان..)، ومن ثمّ انعطف بنفسك ومشاعرك وأنت تراه ثابتًا ينطق الشهادة (وتذكروا أن الخاتمة الحسنة لا تزكّي مسيرة العمر الماضي، والله يتولاه لا نحن!).

واليوم.. لا أعتقد أنكم بحاجة إلى اليوتيوب فقط، لأن الصوت والصورة تغزونا في جوالاتنا وحواسبنا وشاشات إعلامنا وصحفه، فأنتم ترون التاريخ أمامكم. قبل شهرين كان أغلب العرب يرثون لحالهم –كالعادة!- في ردودهم (والتي قد تعتبر استطلاعا) في المنتديات واليوتيوب والصحف الإلكترونية والمدونات، وبين ليلة وضحاها، ومقطع يوتيوبٍ وخاطرة تويتر.. رأينا سنن الله في الظلمة، الذين لم ينفعهم لا استنكار بعيد، ولا شجب قريب، ولا فزعة أعوان.

ارجعوا لليوتيوب، لتروا حسني مبارك كومبارس في فيلمٍ مصري، ثمّ انظروا له وهو يشرح مغامراته عسكريًّا في السبعينات، وشاهدوه في المنصة، ثم تجولوا في تقارير عن مسيرته.. لينقطع البثّ بعد سقوطه الذي أراح قلب كل مصري وعربي.

ولكم أن تلاحظوا –كعظةٍ عابرة في أحداث الساعات الماضية- كيف تشتد الأزمة حتى تستحكم قبل انفراجها، ففي الأمس تأمل أحرار العالم سقوط فرعون، لكنه ظهر ثابتًا ومتعجرفًا؛ لتستحكم ظروف القسوة، وتبرد المشاعر إحباطًا.. ولكن:

ضاقت فلما استحكمت حلقاتها *** فُرِجَت وكنتُ أظنّها لا تُفرَجُ


وبين كل مقطعٍ وآخر في تاريخ هذه الأمة خلال المئة سنة الماضية، اختصرتُ على نفسي قراءة الكثير من الكتب التاريخية، لكنني تلقيّت كمًّا هائلًا من عِبر التاريخ، لا قراءة في سفرٍ عتيق، وإنما معايشةً حيّةً محفوظةً مأرشفةً بالصوت والصورة، جعلتني أردد مصدومًا: ارفق بنا يا تاريخ.. !




0 آراء:

إرسال تعليق

إن أصبت فمن الله -عز وجل-، وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان.
تزدان مواضيعي بردودكم وتفاعلاتكم.. فهي دافع للبذل والعطاء والاستمرار.

مُدَوّنَة [ الثائر الأحمر ] - راكان عارف © 2009 - 2015 | 1430 - 1437 | الحقوق محفوظة، وتتاح مع ذكر المصدر | تصميم راكان عارف