الصفحة الرئيسية | عن المدونة | السيرة الذاتية | RSS | Twitter
Loading...

23‏/03‏/2010

₪ فلاش باك واحد متهوّل: العلم نور ! ₪



في أوائل العقد الثاني من القرن الهجري الحالي أي من الصف الأول الإبتدائي إلى نهاية الرابع, كنت أرتاد مدرسة البراء بن عازب بمفردي لأن أخوتي لا زالوا صغاراً كما اعتقد والدي فأخر أكثرهم سنة عن المدرسة حتى ينضجوا ويصبح بإمكانهم مزاولة العمل المدرسي بمفردهم, كل هذا الكلام كان قبل أن تقرّ الوزارة أكثر أخطائها فداحة وأشنعها بحق أبنائها, ألا وهو نظام التقويم الشامل؛ فألغيت الإختبارات الشهرية والنهائية رويداً رويداً وأصبح الحمار أعزكم الله وهو حمار قادر على تجاوز المرحلة الإبتدائية دون أن يكلف نفسه عناء التفكير والإهتمام وقضاء الساعات الطوال منبطحاً على تلك الفرشة القديمة التي تغطي الصالة وهو ينتهي من فرض ويبدأ بآخر دون كلل ولا ملل.

في الأربع سنواتٍ الأولى كانت الشؤون الإقتصادية لوالدي –رحمه الله– في نمو متسارع ودليلي على ذلك أنني دأبت على أخذ ريالين في الفسحة وآخر بعد صلاة العصر أو كما يتعارف عليه أبناء الشمال "الهَجور", لم يكن هذا ترفاً باذخاً في نظر الكثيرين لكنه كان كذلك بالنسبة لي خصوصاً بعدما شاركني أخوين دفعة واحدة في الذهاب إلى المدرسة فتقلص المصروف إلى ريال واحد في الصباح وآخر في العصر.

كنت أحرج كثيراً من عدم قدرتي على شراء وجبة كاملة فإما أن أتناول العصير مفرداً دون أن يسد من جوعي شيئا أو أن أغصب نفسي على الشطيرة وهي جافة وشبه خاوية مما يساعد على هضمها (كان ودي أقول سندويشة لكن راكان عارف يبي يلقى له سالفة), رغم كل هذا الإحراج لم أشأ أن أعكّر على والدي مزاجه ولو للحظة رغم امتعاضي من نتائج هذ الكساد المفاجئ, لكن حدثاً لازال يتردد صداه في خاطري جعلني أفاتحه في هذا الموضوع دون حسبان للعواقب, أذكر جيداً أن دوام والدي تغير فجأة فأصبح يمضي في المراكز الحدودية أربعة أو خمسة أيام متتالية وأختي لاتجد من يوصلها إلى المدرسة فاضطر والدي بإمكاناته البسيطة أن يؤجر سائقاً لها في البداية.. ثم لنا جميعاً.

كان الإستيقاظ مبكراً وبكامل النشاط سمة أساسية في أبناء ذلك الجيل فما أن نتناول وجبة الإفطار من أرغفة المطحن الطازجة والمدهونة بجبنة بوك السائلة (قبل المقاطعة) مما كانت والدتي تتفنن في صنعه أيام نظارتها وصحتها قبل أن يوهنها المرض وتتوقف عن تلك العادة الجميلة، وما إن نرتدي ملابسنا حتى نسارع بالخروج إلى الشارع خوفاً من أن يأتي السائق فلا يجدنا فنتكبد توصيل أختنا إلى مدرستها البعيدة ثم نعود منها إلى مدرستنا كما حدث في بعض الأيام لكننا لم نتأخر قط بل كان السائق يشطفنا بحججٍ واهية لا تندرج على والدي -رحمه الله- فيعاقبه بخصم المكافأة.

في الشارع كنت أنتظر أمام منزلي مع أخي فرحان وأختي ثم نبدأ بلعبة بسيطة نقطع فيها دقائق الإنتظار الممل, كانت اللعبة تتمحور حول مرور السيارات أمام منزلنا بشكل متقطع ثم يكون نصيب كل واحد منا سيارة.. كأمنية, فأبدأ أنا بكرسيدا جارنا أبو فادي ثم تختار أختي ددسن أبو عاطف (مما يبيّن تقدمنا بسنوات على المجتمع السعودي وبعدنا عن مناطق نفوذ الصحوة)، ثم نكاد نسقط على ظهورنا ضحكاً على حظ فرحان العاثر, ففي كثير من الأحيان ينسحب فرحان من اللعبة حانقاً لأن سيارة البلدية كانت تأتي بذلك الوقت بشكل ثابت لتجمع القمامة وكأنهم ينتظرونه في الشارع الخلفي ليكدروا عليه يومه.

في تلك الفترة الذهبية سكن بحارتنا جار له أبناء غاية في الشقاء والخباثة وحب أذية الناس, بعضهم في سنّي وبعضهم أكبر بقليل، لكن أرواحهم البريئة استبدلت بأخرى شيطانية حتى كأنهم نسل إبليس نفسه, وكانت فلسفتي بالجنوح دائماً إلى السلم وعدم الدخول في أي مشادة قد لا تحمد عقبها بحكم أني رجل البيت في غياب والدي أيام عمله, كانوا في تلك الفترة من أسوأ خلق الله, فقد دأبوا على تصيدنا أمام الباب ليضايقونا في كل شأن, فاليوم ثوبك مو مكوي ياراكان! ليه مامعك فلوس حتى تذهب به للمغسلة كي يكويها؟! مما اضطرني إلى تطبيق خطة الكوي الذاتي (واحفظوها مني): هي تمديد ثوبي تحت فراشي والنوم على الفراش، ثم سؤال الله ألا تكثر حركتي تلك الليلة على الفراش، طريقة غريبة.. نعم، ولكنها كانت تؤدي الغرض بشكل بسيط.

في أحد الأيام اقترب أحدهم مني ثم استغفلني ومد يده إلى جيب ثوبي وأخذ فسحتي المقدرة بريال واحد, ثم أخرج تلك الورقة الحمراء من جيبه ونظر إلي باحتقار واستهزاء, تمنيت أن تتصادف تلك اللحظات مع مرور سوبرمان من فوق حارتنا بالخطأ أو أي فارس نبيل حجز مكاناً في مخيلتي بفعل الرسوم المتحركة حينها, ولما جحدوني أبطالي الوهميين كفرت بمبدأ الإعتماد على أصحاب القوى الخارقة وعرفت أنني أما مصيري المحتوم فطلبت منه أن يعيد إلي فسحتي وإلا أخبرت الأستاذ بدر الشملاني عن تصرفاته معي، فأعاده إلي وهو يردد عالياً وبكل عنجهية: يا مساكين فسحتهم بس ريال!!

أخبرت والدي رحمه الله بعد أن انتهى من استلامه بأن يزيد فسحتنا بنسبة 100% وأن أبناء جارنا فلان سخروا منّا كثيراً ونعتونا بالفقراء فوعدني خيراً ثم أخبرنا بأن نتأنق للخروج معه هذه الليلة. وبالفعل بعد صلاة العشاء ركبنا معه في سيارته الفارهة حينها (داتسون موديل تلك السنة)، وتوجه بنا إلى سوبر ماركت الشمال التي استبدلت الآن بمجمع الاتصالات ثم طلب أن يشتري كل واحد منا باقة كاملة من البطاطا وأخرى من البسكويت أو الشوكولا، ولم تنتهي تلك الليلة الرائعة إلا بوجبة عشاء عائلي من مطعم الكباب الذي لا زال يتوسط السوق القديم, بتلك اللمسة الحانية عالج والدي –رحمه الله تعالى– تلك المعضلة على الرغم من أن الفسحة ظلت كما هي حتى تخرجت من المرحلة الإبتدائية.

مضت الأيام وتخرجت من الكلية بفضل الله سبحانه ثم بدعاء والدَيّ، حتى تعينت قريبا منهم وسارت أموري على أفضل مايرام ولله الحمد, أما من كانوا يضايقوني في تلك الأيام الغابرة فهم رغم طيب علاقتي معهم الآن إلا أنهم لم يتوظفوا بعد ولا زالوا في صف العطالة الطويل.. ولا شماتة.

9 آراء:

راكان عارف يقول...

يا سلام !

أول مرّة أشوف واحد يلعب على نفسه.

يعني تظن يا واحد متهول أنه بمجرد أنك قد توظفت وهم لم يتوظفوا.. فإنك قد حققت انتقامك؟!

لا.. كذا ما يصلح، وهو أمرٌ غير مقنع.

شوف حبيبي مرّ على مشعل مهدي، وخذ لك لفة على مشعل خالد.. واتصل على مشعل فرحان (الثلاثي مشعل)، وروحوا مع بعض نحو أولئك الشلة وبالحتة اللي فيها الحديدة على نفوخه عدل.. .

أنا طبعًا راح أجي أفزع، لكن يمكن أتأخر شوي، أو أقول.. خلوني حق الدعم اللوجستي.. .

أو بلاش دعم لوجستي.. خلوني أدعو لكم..

أو أقول.. بلاش أدعو لكم.. أخاف الشلة المقابلة يجيها خبر.

عندي حل.. يكفي إن قلبي معكم.. وأنا متعاطف مع مشكلتكم.

راكان عارف يقول...

حسنًا.. جاء الجد (بس ما يعني هذا أنني سأفزع!).

هذا المقال من أجمل ما كتبت خلال الفترة الأخيرة، والفرقة الماضية من مقالاتك.. .

ذكريات جميلة.. وساخرة.. ومؤلمة..
تلك الأيام بالذات أحبها.. وأتمنى قدومها،
أيام الدداسن.. وفسحة الريالين.. وشلة الحارة.. والشخصية الملقوفة.

يقول الشاعر:
ليس يخلو المرء من ضد وإن
حاول العزلة في رأس جبل

لابد من منغص في كل أمرٍ تدخل فيه.. حتى في صلاتك، يمكن تمر من عندك نملة وتقرص رجلك، أو تمر من عندك فأرة وأنت إمام فتقفز من مكانك (واخد بالك ياحج واحد).. .

رحم الله والدك رحمة واسعة، ورحم الله شباب آبائنا وملامحهم الحادة والجادة، التي ربتنا وفرَمَت طباعنا فرمًا.

بورك فيك.

موضوعك الآخر يبغاله جلسة.. لعلها تحصل بعد الدوام بإذن المولى سبحانه.

غير معرف يقول...

يااااااااا الله ذكريااات حلوووه رغم مراارتهاا
بس سبحاان الله ربي عوضك وتخرجت ولله الحمد
بس يااااي قطعت قلبيى لانك كنت طفل وتبي كل شي مثل عيال جيرانكم وكانو ياثرون عليك ^_^
ماتنلام بالفعل هذاا شعور يراودناا كلناا يوم كناا اصغاار ^__^
تخيل بقولك شي
اعرف طفل عمره لم يتجااوز عشر سنين
ماات واالده ؛__؛ يااحيااتي عليييه :__:
وكااان عندهم جاار يحب عيااله ومعااهم
ويقوول هالطفل يمه لييش ابوهم ماا مات مثل ابووي ؛__؛ سبحاان الله شووف تفكييره؟؟ يبي كل الاطفاال مثله
شي يبجي ويحزن ومؤلم ((واناا حاسه فييه هو بالذاات))
خااصه الطفل مشااعره حلوه ورقييقه
ياارب يعوض هالولد ويحط البركه فييه :__:
راكان صدقني يكفي انك رفعت راس امك الله يقويها ويعافيها وابوك الله يرحمه ويسكنه الجنه
والنجااح لك بالاخيير ^__^
الله يوفقك دووووم دوووم يارب

[ واحد متهول ] يقول...

من قال إني أبحث عن انتقام , أنا أقصد النهايات السعيدة تحتاج بدايات صعبة وفي النهاية كما تدين تدان , وبعدين هذه قصة فيها عظة وعبرة لكل من تسول له نفسه الأمارة بالسوء بمحارشتي , في الحديث : " من آذى لي ولياً فقد آذنته بالحرب " . اللهم أني أسألك العفو والعافية وهذه ليست مجرد تزكية <<< الظاهر باكر الجمعة ولا ؟!

راكان عارف يقول...

باكر جمعة؟!!! :|

أجل وشي الصلاة اللي صليناها اليوم :/

[ واحد متهول ] يقول...

وات يعني ضاع علينا يوم إجازة !!

الـنـاسـك يقول...

..

سلامااااات شاربين شي (:


مدرسة البراء بن عازب ..
الصف الأول الإبتدائي ..
نظام التقويم الشامل..
الفرشة القديمة التي تغطي الصالة وهو ينتهي من فرض ويبدأ بآخر دون كلل ولا ملل..

أين كنا .. وإلى أين صرنا !

[ منك لله .. أزلت الستار عن ذكرى ..
صوت من بعيد يترنم : أيام عشناها .. إلخ ] .

[ واحد متهول ] يقول...

غير معرف .. الله يجزاك خير على الدعوة الصادقة والمعذرة على التأخر في الرد

[ واحد متهول ] يقول...

ناسك بيه ,, مع أني متأكد من أن وضعية الانبطاح أثناء حل الواجب خاصة بالأوزان الثقيلة إلا أن شكلك قاط معنا من فترة طويلة ,, في انتظار أشياء مشابهة يا بيه

إرسال تعليق

إن أصبت فمن الله -عز وجل-، وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان.
تزدان مواضيعي بردودكم وتفاعلاتكم.. فهي دافع للبذل والعطاء والاستمرار.

مُدَوّنَة [ الثائر الأحمر ] - راكان عارف © 2009 - 2015 | 1430 - 1437 | الحقوق محفوظة، وتتاح مع ذكر المصدر | تصميم راكان عارف