الصفحة الرئيسية | عن المدونة | السيرة الذاتية | RSS | Twitter
Loading...

10‏/01‏/2010

● أبو دلامة .. رجل من التاريخ ! ●



هذه ترجمة [ أبي دلامة الشاعر ]، من كتاب [ رجال من التاريخ ]، للشيخ علي الطنطاوي -رحمه الله-، باختصار وتصرف، كتبتها قبل ست سنوات تقريبًا، ونشرتها في إحدى المنتديات.. ولانتشارها بين المواقع والمدونات، أحببت أن أعدل عليها وأعيد نشرها لحفظ الحقوق وإمتاع الأحبة في هذه المدونة.

كان أبو دلامة كما يقول الخطيب شاعراً مطبوعاً, كثير النوادر في الشعر, وكان صاحب بديهة يُداخل الشعراء ويزاحمهم في جميع فنونهم, وينفرد في وصف الشراب والرياض.

وزاد أبو الفرج أنه كان فاسد الدين رديء المذهب, ولكن الذي روّج له عند الخلفاء: السفاح، والمنصور، والمهدي, وجعله يتمكن عندهم ولا سيما المنصور، ويأخذه منه على بخله جزيل العطايا، هو صراحته وخفة روحه، وحضور بديهته، وسرعة جوابه على بلاغته ومتانة شعره.

وكان يضحك الخلفاء حتى في المواطن التي لا يسوغ في مثلها الضحك، ماتت حمادة بنت عيسى زوجة الخليفة المنصور، فخرج الخليفة ووجوه القواد وكبار الرجال في جنازتها، فلما وقفوا على القبر قال أبو جعفر المنصور لأبي دلامة يعظه ويذكره: ماذا أعددت ويحك لهذه الحفرة؟ (وأشار إلى القبر)، فقال أبو دلامة: حمادة بنت عيسى زوجة أمير المؤمنين. فضحك المنصور وكل من حضر وقال له: فضحتنا قبحك الله.

وخرج مع المهدي وعلي بن سليمان مرة إلى الصيد، فرمى المهدي غزالاً فأصابه، ورمى علي فأخطأ، وأصاب سهمه كلباً من كلاب الصيد.

فقال أبو دلامة على البديهة:

قد رمى المهدي ظبياً شك بالسهم فؤاده
وعلي بن سليمـان رمى كلباً فصاده
فهنيئاً لهمـا كل امرىء يأكل زاده

فضحك المهدي حتى كاد يسقط عن سرجه، وأجازه.

وكان ينطلق لاستدرار عطايا الخلفاء، دخل مرة على السفاح، فقال له:
سلني حاجتك؟... قال: كلب صيد.
قال: ويلك! أهذه حاجتك؟ كلب؟!
قال: نعم..
قال: أعطوه إياه..
قال: يا أمير المؤمنين، فكيف ألحق به، أأعدو على رجلي؟
قال: أعطوه فرساً..
قال: فمن يخدم الفرس؟
فأمر له بغلام.
قال: فإن صدت صيداً فمن يطبخه؟
فأمر له بجارية.
قال: يا أمير المؤمنين، قد صيرت في عنقي جملة من العيال، فمن أين أنفق عليهم؟
فأعطاه مالاً جزيلاً، وقال بقيت لك حاجة؟
قال: نعم.. تدعني أقبل يدك..
قال: أما هذه فلا.

قال الجاحظ: فانظر إلى حذقه في المسألة ولطفه فيها، ابتدأ بالكلب فسهل القصة، وجعل يأتي بما يليه على ترتيب وفكاهة حتى نال ما لو سأله ابتداءً ما وصل إليه.

ومن حسن تخلصه أنه دخل مرة على المهدي، وعنده جلة القواد ووجوه بني هاشم، فقال له المهدي ليضحك منه: أحلف لئن لم تهجُ واحداً من هذا المجلس لأضربنك ضرباً مبرحاً.. فجعل ينظر في وجوه القوم، فكلما نظر إلى واحد غمزه بأن يعطيه، فما كان منه إلا أن هجا نفسه فقال:

ألا أبلغ إليك أبا دلامة ... فليس من الكرام ولا كرامة
إذا لبس العمامة كان قرداً ... وخنزيراً إذا نزع العمامة
جمعت دمامة وجمعت لؤمًا ... كذاك اللؤم تتبعه الدمامه
فإن تك قد أصبت نعيم دنيا ... فلا تفرح فقد دنت القيامة

فضحك القوم، ولم يبق أحد إلا أجازه.

وكان جباناً يفر من القتال ويحتال لذلك بشتى الحيل، واضطر مرة إلى الخروج في جيش روح بن حاتم المهلبي لقتال الخوارج، فكانت القصة من أعجب القصص, فيها حل لهذه المشكلة التي استعصت على الحلول مشكلة الحرب.

كان قريباً من الأمير في المعركة، فغلب عليه ما رُكّب في نفسه من الطمع، وجرب إحدى حيله، فقال للأمير: أما والله لو أن تحتي فرسك، ومعي سلاحك لفعلت في العدو الأفاعيل.. فضحك الأمير، وقال: والله العظيم لأدفعن إليك ذلك، ولآخذنك بالوفاء بشرطك، ونزل عن فرسه، وأعطاه سلاحه، ودفعهما إليه دفعاً..

قال أبو دلامة: فلما حصل ذلك في يدي، وزالت عني حلاوة الطمع قلت: أيها الأمير، هذا مقام العائذ بك، وقد قلت بيتين فاسمعهما، قال: هات فأنشدته:

إني استجرتك أن أقدم في الوغى ... لتطاعن وتنازل وضراب
فهب السيوف رأيتها مشهورة ... فتركتها ومضيت في الهرّاب

قال الأمير: سترى ما أصنع بك إن هربت..
وبرز فارس من الخوارج، بطل من الأبطال ما بارزه أحد إلا قتله..
قال: اخرج إليه يا أبا دلامة.
قلت: الله الله أيها الأمير في دمي.. قال: والله لتخرجن.
فلما رأيت منه الجد قلت: أيها الأمير, فإنه أول يوم من أيام الآخرة، وآخر يوم من أيام الدنيا، فأمر لي برغيفين ودجاجة محمرة، فأنا والله جائع، ما شبعت من الجوع، فأمر له به، وقال: وبشيء من الحلوى والفاكهة..

فأخذته وبرزت عن الصف، فلما رآني الخارجي أقبل علي، وسيفه في يده، وعيناه تقدان، وعليه فرو قد أصابه المطر فابتل، وأصابته الشمس فانفتل، فكان كأنه الوحش..

فقلت: على مهلك ياهذا، قف نتكلم أولاً، فتوقف.
هل تقاتل من لا يقاتلك؟
قال: لا.
قلت: أتقتل رجلاً على دينك؟
قال: لا.
قلت: فلماذا تقاتل؟
قال: اذهب إلى لعنة الله.
قلت: لا أفعل أو تسمع مني.
قال: قل..
قلت: هل كان بيننا عداوة قط أو ثأر أو تعرفني بحال تغضبك علي أو تعلم بين أهلي وأهلك ثأراً؟
قال : لا والله..
قلت: ولا أنا والله، وإني لأهواك وأنتحل مذهبك وأدين دينك وأريد السوء لمن أراده لك.
قال: ياهذا جزاك الله خيراً، فانصرف.
قلت: إن معي زاداً أحب أن آكله معك، وأريد مؤاكلتك؛ لتتأكد المودة بيننا؛ ويرى أهل العسكر هوانهم علينا.
قال: فافعل.
فنزلنا عن أفراسنا، وقعدنا على الأرض نأكل، والعسكران قد ماتا من الضحك.
فلما استوفينا ودعني, ثم قلت: إن هذا الجاهل يعني الأمير, إن أقمت على طلب المبارزة ندبني إليك فتتعبني فانصرف راشداً.. فانصرف.

هذه صورة شاعر ماجن، لا أسردها لتكون قدوة للناشئين، بل لتكون سلوة للسامعين، وليحمد الله ذو الدين على دينه وذو الوقار على وقاره.

● الناسك ●

4 آراء:

احمد يقول...

سبحان الله لاتجد البطانة الصالحة في زماننا هذا و حتي زماننا الماضي ,,,
قراءه جميلة شكرا لك

أيمن الظريف يقول...

اوافق اخي احمد في رأيه شكرا لك

تايلاند يقول...

نعم احمد اوافق الرأي ايضا

[ واحد متهول ] يقول...

طلع أبو دلامة حتة مقلب ياجدع ..!!
بس موقفه مع السفاح درس للوصول إلى الغرض الصعب بأخبث الطرق .. بجربها مع مديرنا علشان يجيزني ولو يوم كل أسبوعين لكن النكبة أخاف إني أقول له أبي الخرامة فيعطيني إياه وتنقطع حاجتي عند الخرامة .  

إرسال تعليق

إن أصبت فمن الله -عز وجل-، وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان.
تزدان مواضيعي بردودكم وتفاعلاتكم.. فهي دافع للبذل والعطاء والاستمرار.

مُدَوّنَة [ الثائر الأحمر ] - راكان عارف © 2009 - 2015 | 1430 - 1437 | الحقوق محفوظة، وتتاح مع ذكر المصدر | تصميم راكان عارف