الصفحة الرئيسية | عن المدونة | السيرة الذاتية | RSS | Twitter
Loading...

14‏/12‏/2009

₪ رحلات واحد متهوّل ₪ الحلقة السابعة ₪



مأساة الرحلة: لا يصلح دخول من هم تحت 18 سنة.

قد تكون قصيدة الحطيئة (وطاوٍ ثلاث عاصب البطن مرمل) هي الأكثر رعباً بين كل كلاسيكيات الأدب العربي, لكن تلك الليلة لم تكن بأقل رعباً لو توفر لها شاعر فحل مثل علي هبلو -وهو شاب جهبز من الجهابزة!-.

كنّا قد توقفنا في حلقتنا السابقة حول معضلة ضياعي أنا والأمير في ذلك القفر الموحش وفقداننا لسياراتنا في ظروف غامضة، لازلت أعتقد جازماً أنّ على الناس أن يتوقفوا عن التخمين حينما تغيب عن أذهانهم الحقيقة لكن الشق أكبر من الرقعة وبقاؤنا لنصف ساعة أخرى في هذه الأجواء القارصة والموحشة كفيل برسم لوحة مأساوية تختتم فيها هذه الرحلة.

مضينا على غير هدى نجوب الأرض يمنة ويسرة ونسترشد بأرائنا ونحن نعتقد أننا تلاميذ الأدريسي وماجلان دون أن نعثر على أي أثر لرفقتنا ومازاد الطين بلة أن أصوتنا بحت ونحن نستفزع الرفقة ولا مستفزع والعطش قد بلغ بنا مبلغاً لا يعلمه إلا الله, حتى إذا يئسنا من رفقتنا برك الأمير وأرعى سمعه فإذا بصوت منبه سيارة يصلنا من بعيد، لا نستطيع تحديد اتجاهه بالضبط.

كانت بارقة الأمل الأخير وعزم الأمير على التوجه في مسلك جديد وبإتجاه مستقيم, قطعنا مسافة ليست بالبسيطة واختفى صوت الهرن ثم فجأة أصبح أقرب من أي وقت مضى وبدا واضحا أننا نسير في الاتجاه الصحيح, حتى إذا حملتنا خطانا المتثاقلة على ذلك الحزم إذا بأنوار "فلشر السيارة" تضيء المكان أملاً في روضة غناء ارتوت قاعها من دموع الفرحة التي انهمرت على خدود الأمير أما المتهول فهو صاحب قلب ميّت ويستحي أن تستدر دمعته أمام الملأ وهو خلق توارثته العائلة كابراً عن كابر.

ما إن وصلنا رفقة الهايلكس حتى استقبلتنا عبارات التقريع والعتاب وكأننا اخترنا أمر ضياعنا, سألناهم لماذا لم تخرجوا على أقداكم للبحث عنا فأخبرونا أن أمراً مريباً قد حدث في غيابنا, قال لنا أبو مريم: (لما تباطأناكم اقترحت على الربع أن نتوزع، كل واحد في اتجاه ونصرخ فيكم لعلكم تسمعوننا, وما إن أطفأنا نارنا مر من عندنا "جيب شاص" وأطفأ نوره ثم "كبسه" فجأة على سيارتنا وأسرع بشكل مفاجئ، ثم صعد على "حزمٍ" قريبٍ منا.. وأطفأ سيارته, واحنا -طبعًا- لاسلاح ولا يحزنون، ومفتاح السيارة ليس معنا.. ولا قدر الله لو كان صاحب الجيب ممن يبطنون الشر.. كان رحنا برجله سلام سلام).

تنهد أبو مريم وهو يتأمل الأفق (لزوم نعمل رواية هنا!) ثم أكمل: (بعد أن توقف صاحب الجيب قال أبو طلال: يا جماعة.. لنجلس بالسيارة ونشغل أنوار "الفلشر" ونضرب المنبه حتى تفرج, لكن منيف خالفه وقال: أن وضع صاحب السيارة مو طبيعي.. والله يستر منه).

توقف أبو مريم فجأة.. ثم أخرج سيجارة وأشعلها (ما عليش أبو مريم افترينا عليك وخليناك تشرب علشان أجواء الرواية)، وأكمل حديثه بوجهٍ خالي من الملامح: (ركبنا سيارتنا، ثم لمحنا صاحب الجيب وهو مقبل علينا، وبيده شيء يشبه السلاح، والكارثة أنه يمشي بطريقة مرعبة.. عقد منظره ألسنتنا، وأخذنا ندعو الله أن يكيفنا شره).

توقف أبو مريم عن حديثه وهو يحد البصر بعيدًا ثم صرخ: وشو هذا؟!
التفتنا جميعًا وقد أكلنا الرعب إذ لم نفكر إلا بذلك الرجل صاحب المشية الغريبة.. وسلاحه، لكننا لم نجد شيئا، ثم التفتنا إلى أبي مريم فرأيناه يبتسم ساخرًا ثم قال: واحد صفر.. لعبت عليكم.

اختفت ملامح السخرية من أبي مريم، وأكمل حديثه وصحبه مع ذلك الرجل، فقال: (اقترب الرجل منا.. حتى صارت المسافة بيننا وبينه قرابة الثلاثين مترًا، حينها انتشرت الأنوار من كل جهة وأضاء المكان وازدحم.. فوجدنا أنفسنا محاطين بأكثر من سبع سيارات كلها "كبّست" النور العالي علينا).

أخذ أبو مريم نفسًا آخيرًا من عقب السيجارة ثم أطلق العبارتين في حركة احترافيه وقال: (نزل رجل من أصحاب السيارات إلينا ثم طرق الزجاج الخلفي بيده.. وصرخ فينا: انزلوا من السيارة. نزل منيف لوحده ثم قال لهم محتدا: خير.. وش عندكم؟! فرد عليه أحد أصحاب تلك السيارات: حنا اللي نسألك ..وش عندكم هنا؟! رد عليه منيف: ننتظر أصحابنا الذين ذهبوا ليقضون حاجتهم ومارجعوا لحد الآن، سأله أحدهم: وكم صار لهم من راحوا؟ رد منيف: تقريباً ساعة).

توقف أبو مريم عن الحديث، ثم لمحني بعينه.. وأكمل قائلًا: (مضت لحظات ثقيلة من الصمت بيننا وبين أصحاب تلك السيارات، وفجأة فتح باب إحداها ونزل منها شخص كان ينصت لكلامنا منذ البداية، فقال لهم: أحد الشخصين اللذين تنتظروهما.. هل يلبس نظارات طبية وطربوش أسود؟! رد منيف باستغراب: نعم.. هذا صاحبنا راكان .. أنت شفتهم؟! رد عليه ذلك الرجل: قبل نصف ساعة شفناهم على بعد ثلاثة كيلومترات من هنا عند مكان يقال له (شعيب المسعري)، سأله منيف: وليه مارحتوا لهم؟! رد عليه أحدهم: لنا نصف ساعة وحنا نبحث عنهم ومالقيناهم ، والظاهر.. أنهم ضاعوا، وإن كنتم تسمعون الكلام فارجعوا لخيمتكم وناموا ليلتكم هذه وباكر عند "شقة الضو".. ابحثوا عنهم لعل وعسى، رد منيف بكل ثقة وهو خائف من إخبارهم بأن مفتاح السيارة ليس معه: حنا متأكدين أنهم بيرجعون.. وعلى كل حال يعطيكم العافية).

أكمل أبو مريم: (في لمح البصر اركبوا سياراتهم واختفوا ودحر الله الشر, والغريب.. أنه ماصار لهم عشر دقائق من ذهابهم إلا وأنتم قد أقبلتم علينا).

لولا أني رأيت الصدق والهلع في أعين الشباب لتوقعت أن أصحاب السيارات هم ذاتهم حرامية منيف الذين جهزوا الفطور وأكلوه ولم يبقوا لنا إلا طرف المقلاة (إن كنتم تفهمون قصدي!) شغلّت السيارة ونظرت إلى الساعة فكانت السابعة إلاّ عشر دقائق, أخبرني أبو طلال بضرورة التحرك سريعاً إلى الخيمة فأخوه قادم للمخيم ومعه ثلاثة من الشباب.. وهم قريب من هجرة يقال لها الخشيبي وهي تبعد عن مكاننا 90 كيلو ، والخيمة "حوسة", تحركت مباشرة وأنا أهم بإخبار الشباب بالحلم الذي رأيته البارحة لولا أن جوال أبو فريح التقط اتصالاً من الأخ نايف حمود وهو أحد الضيوف المدعوين لسهرة الليلة.

عرف أبو فريح من نايف أنه لم يبق على الشعبة إلا عشرين كيلو فقط، وارتبك الوضع داخل السيارة ونزلت بنا المصيبة العظمى, فقد أضعنا مكان الخيمة, مع أننا كنا نعتقد أننا متيقنون من مكانها، وتبادر إلى أذهاننا حينها أن تلك المجموعة المريبة قد صادروا الخيمة وصادروا كذلك سيارة أبو غازي وفورد أبي طلال لكن أبا غازي طمأننا بقوله: أستبعد هذا السيناريو نهائياً فلو كانوا يضمرون شراً لقضوا علينا ونحن مجردين من كل سبل المقاومة, أخذنا طريق العودة مرة أخرى وبحثنا وسط هذا الظلام الدامس دون أن نجد تلك الخيمة وبدا لنا أن هناك فرصة ثالثة لو عدنا إلى المكان الذي نزلنا به في أول أمرنا, لكن ذلك المكان اختفى من الخريطة ولم نستطع العثور عليه، وقد توغلنا داخل الصحراء جنوباً بما فيه الكفاية، والكارثة أننا ننتظر الآن ضيوفا من رفحاء.. وآخرين من حفر الباطن.

ازداد موقفنا صعوبة وكان لا بد من الرجوع إلى الأمير والذي قد اتخذ خياراً فدائياً بأن أسقط مهمة قيادة الهايلكس من مهام المتهول وتفريغه لمهمة معرفة الطريق, مع ضرورة التوجه إلى البيب (خط التابلاين) رقم 159 مباشرة, حتى لا نحرج أنفسنا بشكل يشبه الفضيحة, وصلنا إلى البيب 159 و بعد تبادل السلام والسؤال عن الاحوال صدمنا أبو طلال بخبر مفجع.

لم يكن البيب الذي جمعنا بنايف و نادر هو البيب رقم 159 بل لايحمل هذ البيب أي رقم, وعلامات الأرهاق والوجوم والحيرة ترتسم على محيانا وإحراج أكبر في الطريق إلينا, فقد أمضى أبو حمود ورفيقه في انتظارنا قرابة الخمسين دقيقة وهناك ظرف طارئ يحتم على رفيق أبي حمود العودة إلى حفر الباطن على وجه السرعة, ودّعونا والخيبة تعتصرنا لأننا خسرنا كل شيء في لحظات ووقعنا في امتحان عصيب لانستطيع احتماله فأنتم تعرفون الشعور الذي يتولد عندك و وأنت تدعوا رفيقاً لك ليقطع مسافة 150 كيلو ثم يرجع صفر اليدين إلى أهله والمسألة لم تتوقف عند هذا الحد فضيوف آخرون قادمون في الطريق ومعهم عشائنا وعشائهم ونحن لا نعلم أين تقع خيمتنا ولا أين يقع البيب 159..

يتبع إن شاء الله.

3 آراء:

راكان عارف يقول...

هلحين أول تعيرني انت وناسكوه بطول مقالاتي، وجاي هلحين طول وعرض وييي..!

احمد ربك يا رجال.. ما صارت الدعوة فيها جن وعفاريت.. وأمور أخرى.

الـنـاسـك يقول...

..

هو عرض طويل بلا شك ..
هو مثير بلا شك ..
مميز في بعض تشبيهاته .. بلا شك !
يعطي انطباعاً بأن لياقة الأخ واحد قد شارفت على النفاد .. هو هكذا شعرت ، وأرجو أن تخيب هذا الظن ، لأنه نادراً ما يخطئ (:

أدعى الناسك .. لذا سأصفح عن الأخ راكان ، باعتباره يخاطب شخصاً آخر ، لكن احتياطاً...!(: أتمنى أن يأتي في بالك أمر جيد بخلاف الدارج !

ثم إن نفس الأخ واحد قصصي ، بعكس مقالاتك ذات الطابع [ مجهول الهوية ، في بعض ]!

فقط هذا ما أردت نثره أتمنى ألا يكون طويييلاً ..

وبعدين السديس يرتل ، وما حد قاله شي ..

نراكم بخير .

راكان عارف يقول...

أها.. إذن اتضح الآن -فجأة- أن الطول ليس سيئًا في النهاية.. . :)

اثبتوا يا قماعة على رأي.. مو تطلبون شيء.. فإذا اقتنعنا واتبعنا، تنفذون خلافه.. .

دمتم تلامذة في اللؤم. :|

إرسال تعليق

إن أصبت فمن الله -عز وجل-، وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان.
تزدان مواضيعي بردودكم وتفاعلاتكم.. فهي دافع للبذل والعطاء والاستمرار.

مُدَوّنَة [ الثائر الأحمر ] - راكان عارف © 2009 - 2015 | 1430 - 1437 | الحقوق محفوظة، وتتاح مع ذكر المصدر | تصميم راكان عارف