الصفحة الرئيسية | عن المدونة | السيرة الذاتية | RSS | Twitter
Loading...

16‏/05‏/2009

[ بين يدي موتانا ] - انعتاق من عالم الشهادة.



من غيبوبة الموت الأصغر أفاق فجأة وفتح عينيه على ظلام غرفته، ثم شخص ببصره إلى اللاشيء.. متأملا.

وعلى ضوء جهازه أخذ يلتفت إلى كل المواد المحسوسة من حوله: الجدار.. الأقلام.. الكتب.. الأسلاك الكهربائية.. كل شيء.

أخذ يحد نظراته نحوها ثم انهزم بصره وحِيل لنظرات شاردة نحو الشباك،
أعمدة الإنارة تطل بذرات ضوئها الأحمر من طرف النافذة على جزء من جدار الغرفة،
وبين سبات الليل.. والناس.. والأحبة.. أطل بجسده على النافذة.. وبعينه على القمر.. وبحدوده على الليل.. وبفكره على الدنيا.. ومحاصيلها الوهمية.

أخذ يتأمل (عالم الشهادة)، ويعمّق إحساسه بالصلة المادية والمعنوية معه.. ثم أخذ يتساءل أو يتذكر المستقبل ولعله يجيب مصدّقا ومستيْقنًا وإن تلبس الجواب بصيغ السؤال!.

هو في الحقيقة يتصور حاله.. ويردد:
أحقا سأموت.. وألاقي ملائكة الموت.. وأدخل عالما آخر.. هو عالم الغيب ومخلوقاته وأحداثه؟!

كيف؟!
ومتى؟!
وهل سيكون الأمر مؤلما جدا؟!
أم يكون مفرحا؟!
أم لا تشفع الفرحة لزوال الألم؟
فكر قليلا.. ثم تذكر: (لا إله إلا الله.. إن للموت لسكرات) واستحضر أن قائلها هو الفرح المقبل على ربه (بل الرفيق الأعلى).. صلى الله عليه وسلم،
أحس بالألم والحزن.. إذ صُفع بقول الجبار سبحانه: (وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون
ثم ردد في نفسه: لم أر كالموت مؤدبا !

اتجه إلى جهازه.. وفرّ إلى برنامج الكتابة.. وعلى إضاءة الشاشة كتب أسماء من رحلوا إلى الدار الآخرة وقامت قيامتهم، من أهل بيته أو قريب أو صديق.. أو من جمع بينه وبينهم الاحترام والتقدير.

أخذ القلم يسري به ليجده يكتب أسماء من استحضر من أجداده، وأسماء من يذكر ممن ماتوا وعلم بموتهم في خبر عابر أو حادث عارض أو منتدى يَكتب فيه.. حتى مل فقبض يده عن الكتابة ثم جعل يتأمل بريق الأسماء الذي صنعه ضجيج أخذ في الخفوت يوما بعد يوم فكأن صاحبه لم يكن.

عشرات الأسماء يجمع بينها السكون والنسيان.

أحس بغصة تجرع معها ريقه على حزنٍ وحنّ إلى خُلُق الرحمة الذي تقتله اللامبالاة والبلادة والانشغال بهموم النفس.. والدنيا، لله ما أحقر هذه الدنيّة التي يُدفن فيها هؤلاء ويُنسى ذكرهم.. لله كم ننسى أن حياتنا هذه هي عبارة عن فرصة واحدة يتيمة لن تتكرر أبدًا.

تأمل هذه الأسماء جعلته يستحضر حُمْق من يهدف إلى شيء يسمى الخلود في هذه الدنيا.. أقصد خلود الذكر !

القرآن -شاغل دنيا المؤمنين والمتربصين- سيُرفع يومًا.. والأرواح المؤمنة ستذهب بها الريح إلى الخلود الحقيقي.. وبيوت الله ستبيت فيها السباع.. وسيأتي يوم على هذه الدنية لا تجد فيها من يقول: الله! ثم ترانا نتراكض حول أوهام الخلود؟

ماذا ينفع صُناع التاريخ والأحداث إن ردّدت أسماؤهم الملايين من الأحياء المقبلين على الفناء.. وهم في البرزخ يعذبون؟!
الذكرُ فناء ارتبط بفناء.. فسيتبخر يوما إن لم يكن لله تعالى !

تأمله لأسماء من عايش جعلته يستحضر حقيقة الموت، وأن المنية قادمة لا محالة.. بعد ساعات أو سنوات .. أو الآن.

استحضر أماكن موت أحبته فشهد ألا إله إلا الله واستحضر قوله تعالى: (وما تدري نفس بأي أرض تموت).

تساءل: لماذا نجعل موقفنا من الموت موقف المشاهد والمطلع والمترحم على الغير وربما الفرح بهلاكه.. كأنه يحصل لكل الكائنات إلا لنا وحدنا؟!

غرتنا حدود أبصارنا، وآفاق آمالنا.. وملمس المادة من حولنا.

نقرأ آيات الحشر والقيامة والحاقة.. ونطالع أحاديث البرزخ والبعث والنشر والميزان وشهادة الجوارح علينا.. وكأن الأمر لا يعنينا من قريب ولا بعيد.. وكأننا لن نشهده رأي العين والجسد والروح !

يالهول المشهد ويالشدة غفلتنا إن لم تكن لهذه المشاهد -التي سنعايشها لا محالة- أثرا في حياتنا وتعاملنا.

أفاق من صحوته(!).. ثم رجع إلى فراشه.. واستغرق في نومه.. وغفلته !


(حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ، لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)

اكتبوا أسماء أمواتكم وتأملوها جيدًا.. ففيها موعظة لمن كان له قلب، ولتقييدها تذكيرٌ لنا بأحبتنا فلا ننساهم من صدقة عنهم أو دعاء لهم.. ونحوها من أعمال البر التي لا نعلم والله عظم فرحتهم بها وهم في برزخهم وقبورهم.

اللهم أصلح قسوة قلوبنا، وأحسن خاتمتنا، وأعتقنا وأحبتنا من عذاب القبر ومن عذاب النار. آمين


هُوَ المَوتُ ما منهُ ملاذٌ وَمهربُ *** متى حُطَّ ذا عن نَعشهِ ذاكَ يَركبُ
نُشاهدُ ذا عَينَ اليَقينَ حَقيقَةً *** عَلَيهِ مضى طِفلٌ وَكهلٌ وَأَشيَبُ
وَلكن عَلى الرانِ القُلوبُ كَأَنَّنا *** بِما قد عَلمناهُ يَقيناً تُكذِّبُ
نُؤَمِّلُ آمالاً وَنرجو نِتاجَها *** وَعلَّ الرَدى مِمّا نُرَجّيهِ أَقرَبُ
وَأَوَّلُ ما تَبدو نَدامةُ مُسرِفٍ *** إِذا اِشتَدَّ فيهِ الكَربُ وَالروحُ تُجذَبُ
وَيشهدُ مِنّا كلُّ عُضوٍ بِفِعلهِ *** وَليسَ عَلى الجَبّارِ يَخفى المُغَيَّبُ
وَماذا كَسَبتُم في شَبابٍ وَصِحَّةٍ *** وَفي عُمرٍ أَنفاسُكُم فيه تُحسَبُ
فَيا لَيتَ شِعري ما نَقولُ وَما الَّذي *** نُجيبُ بهِ وَالأَمرُ إِذ ذاكَ أَصعَبُ
إِلى اللَهِ نَشكو قَسوَةً في قُلوبِنا *** وَفي كُلِّ يَومٍ واعِظُ المَوتِ يَندُبُ
وَلِلَّهِ كم غادٍ حَبيبٍ وَرائحٍ *** نُشَيِّعهُ لِلقَبرِ وَالدَمعُ يُسكَبُ
نَهيلُ عَليهِ التُربَ حَتّى كَأنَّهُ *** عَدوٌّ وفي الأَحشاءِ نارٌ تَلَهَّبُ
فَحُثّوا مَطايا الإِرتِحالِ وَشَمِّروا *** إِلى اللَهِ وَالدارِ التي لَيسَ تَخرَبُ
فَما أَقرَبَ الآتي وَأَبعدَ ما مَضى *** وَهذا غُرابُ البَينِ في الدارِ يَنعَبُ

0 آراء:

إرسال تعليق

إن أصبت فمن الله -عز وجل-، وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان.
تزدان مواضيعي بردودكم وتفاعلاتكم.. فهي دافع للبذل والعطاء والاستمرار.

مُدَوّنَة [ الثائر الأحمر ] - راكان عارف © 2009 - 2015 | 1430 - 1437 | الحقوق محفوظة، وتتاح مع ذكر المصدر | تصميم راكان عارف